ما الحكمة من ذكر اسم مريم عليها السلام في سؤال الله لعيسى عليه السلام عن اتخاذه وأمه إلهين من دون الله، مع العلم أنه لم يُعهد أن بني إسرائيل كانت تتخذ مريم عليها السلام إلهة؟
السؤال ناتج عن مفهوم خاطئ للإلهية في القرآن والسنة، فمن ينكر اتخاذ مريم إلهة ينكر ضوء الشمس، لكن هذا المتحدث لا يعلم معنى الإلهية القرآنية، فصدرت منه هذه الشبهة. يكفي للجواب سماع كثير من النصارى عندما تحل بهم نازلة يدعون "يا عذراء" لإنقاذهم وإغاثتهم، وهذا هو اتخاذها إلها في عقيدة المسلمين، فالفَرَج الذي لا يأتي به إلا الله لا يجوز سؤاله من غيره، وإلا كان المسؤول إلها للسائل، كما قال تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا. أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا). فكل مخلوق عظمه الناس فوق منزلته البشرية واعتقدوا فيه قدرة على الشفاء والفرج والمغفرة فقد اتخذ إلها، وإن لم يطلق عليه اسم (الله)، كما قال تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)، فاعتقادهم فيهم حق التشريع جعلهم أربابًا. وسمى القرآن الهوى إلهاً، كما قال تعالى: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ)، لأن اتباعه يصبح كأنه الإله المطاع. وسمى النبي صلى الله عليه وسلم عبد الدينار وعبد الدرهم، والعبودية هنا بمعنى المحبة الشديدة التي يرفع فيها المحبوب بقدر التبجيل والتعظيم الذي يعلق القلوب به مع الله. إذا وصفت الآية الكريمة بعض النصارى بأنهم اتخذوا مريم "إلهًا" فلا يلزم أن توجد طائفة تقول إن مريم (إله) بحرفية، بل يكفي أن يعتقدوا فيها "الإلهية" على أي معنى من المعاني المذكورة.
التاريخ يشهد بوقوع طوائف من النصارى في تأليه مريم، منهم طائفة "المريميون" الذين يقولون إن مريم إله، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية وسعيد بن البطريق. وكثير منهم يطلب منها كل ما يطلب من الله، كالمغفرة والرحمة، ويسألونها الحوائج التي تطلب من الله. وعبادتها كانت متفقًا عليها في الكنائس الشرقية والغربية بعد قسطنطين. إن هذه العبادة تتضمن صلاة ودعاء واستغاثة واستشفاع وصيام باسمها، مع الخضوع لصورها، واعتقاد سلطتها الغيبية في النفع والضر. ورغم أنهم لا يطلقون عليها اسم (إله) بل (والدة الإله)، إلا أن القرآن يقول: (اتَّخَذُوهَا وَابْنَهَا إِلَهَيْنِ) والاتخاذ غير التسمية، فهو يصدق بالعبادة. والقمص زكريا إبراهيم ذكر أن المريميين ظهروا في القرن الخامس الميلادي وكانوا وثنيين يعبدون الزهرة، فاعتبروا مريم إلهة النساء. وقد رد الله عليهم في قوله: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ). تقديس مريم جاء في مجمع أفسس الأول سنة 431م، حيث ورد: "نعظمك يا أم النور الحقيقي ونمجدك أيتها العذراء المقدسة والدة الإله". وتتضمن أوامر الكنيسة التوجه والدعاء لمريم وختم الصلاة الربانية بالصلاة المريمية عشرين مرة. القس حنين عبد المسيح في كتابه "بدعة تأليه العذراء" هاجم الكنيسة لتأليهها مريم، وذكر أن طقوس الكنيسة مليئة بالصلوات والتضرعات للعذراء مباشرة، وكأنها إلهة تسمع وتستجيب، مثل: "يا والدة الإله، أنت هي الكرمة الحقيقية... نسألك أيتها المملوءة نعمة...". وتتضمن الصلوات طلب المساعدة عند مفارقة النفس، وحماية المدينة، وأنها "رجاؤنا". الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تقدم السجود للعذراء، كقولهم: "أسجد تحت أقدامك يا سيدتنا، كلنا والدة الإله". وتخصص صومًا للعذراء، ويقدم الأقباط نذورًا للعذراء استغاثة بها. والكنيسة تخاطب العذراء بألقاب المسيح الإله، مثل "الشفيعة المؤتمنة".
مُلخَّصٌ من الجواب الكامل في موقع فتاوي · روجِع في 2 سبتمبر 2026
اقرأ الجواب كاملًا في موقع فتاويhttps://ftawy.com/ar/questions/1496