كيف يمكن القول بأن العبرة بحال القلب وليس بحال الشخص، بينما الأحاديث النبوية تؤكد على التقلل من الدنيا والزهد فيها، وتحذر من كثرة المال والانهماك فيه، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل"، وقوله: "إن الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله تعالى وما والاه، وعالماً ومتعلماً"، وهل "ترك الفضول من الحلال" يعني ترك الزائد من المال عن قدر الحاجة؟
المال يفتن غالب الناس ويصدهم عن ذكر الله، فيشتغلون به عن مصالح آخرتهم، فيكون المال مضرة لهم. أما من كان المال في يده لا في قلبه، فهذا الذي يقال فيه: "نعم المال الصالح للعبد الصالح"، فيتقي بماله ربه، ويصل به رحمه، ولا ينافي ذلك كونه في الدنيا كالغريب؛ لأنه غير متعلق به، بل قلبه متعلق بالله. وهذا حال سليمان النبي وعدد من الصحابة مثل عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، الذين لم يكن للدنيا سلطان على قلوبهم رغم نعيمهم. ولهذا، يرى البعض أن الغني الشاكر أرفع درجة من الفقير الصابر، والأفضل منهما الأتقى لله.
إن الرغبة في الدنيا هي أصل معاصي القلب من التسخط والحسد والكبر والفخر، وهذا كله ينبع من امتلاء القلب بها، لا من وجودها في اليد. امتلاء القلب بالدنيا ينافي الشكر، ورأس الشكر هو تفريغ القلب منها. فخير من امتد ماله هو من كثر به خيره.
طريق الفقر والتقلل هو طريق سلامة مع الصبر، بينما طريق الغنى والسعة في الغالب طريق خطر. لكن إذا اتقى الغني ربه في ماله، ووصل به رحمه، وأخرج منه حق الله، كان ذلك طريق غنيمة له. فالفقير كالمريض الذي يثاب على صبره، والغني خطره عظيم، لكن إذا سَلِمَ كسبه وصرفه في حقه كان أنفع له.
لقد اختلف السلف الصالح في تفضيل الغنى أو الفقر؛ فمنهم من اختار الغنى للجهاد والإنفاق في وجوه البر كعبد الرحمن بن عوف، ومنهم من اختار الفقر والتقلل خشية الفتنة كأبي ذر. وهناك فرقة ثالثة لم تختر شيئًا، بل اختاروا ما اختاره الله لهم.
مُلخَّصٌ من الجواب الكامل في موقع فتاوي · روجِع في 2 سبتمبر 2026
اقرأ الجواب كاملًا في موقع فتاويhttps://ftawy.com/ar/questions/168645