لماذا تعظُم حقوق الناس في العقود والوعود والديون؟
حقُّ الإنسان لا يسقط بالندم وحده؛ والمشهورُ عند أهل العلم أنّه لا يبرأ إلّا بردّه أو بمسامحة صاحبه. والعقدُ يلزم، والدَّينُ يبقى في الذمّة، والوعدُ خُلقٌ يُسأل عنه صاحبُه.
لماذا يهمّني هذا في ديني؟
في المعاصي بينك وبين الله بابٌ واسعٌ من الفضل: ندمٌ وإقلاعٌ وعزمٌ فيُمحى الأثر. وأمّا حقُّ إنسانٍ أخذتَه فمعه صاحبٌ يطلبه.
ولذلك اشتهرت عند الفقهاء قاعدةٌ في هذا الباب: حقوقُ الله مبناها على المسامحة، وحقوقُ العباد مبناها على المشاحّة. والمشاحّة أن يقف كلُّ ذي حقٍّ عند حقّه.
وقد جعل الله العهدَ موضعَ سؤالٍ يُحاسَب عليه صاحبُه [الإسراء: ٣٤].
وجاء في الأمانة إذا لم يُكتَب فيها كتابٌ وبقيت على الثقة وحدها: ﴿۞ وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا۟ كَاتِبًا فَرِهَـٰنٌ مَّقْبُوضَةٌ ۖ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِى ٱؤْتُمِنَ أَمَـٰنَتَهُۥ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا۟ ٱلشَّهَـٰدَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٌ قَلْبُهُۥ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]
ثمّ إنّ في القرآن عتابًا خاصًّا لمن يقول ما لا يفعل: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُوا۟ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢–٣]
فالكلمةُ في هذا الدين ليست هواءً. تُقال فتُكتَب، وتُطالَب بها يوم لا ورقةَ ولا شاهد.
الفكرة ببساطة
للفقهاء لفظٌ دقيقٌ في هذا الباب هو الذمّة. وهي وصفٌ يثبت للإنسان يصلح لأن تتعلّق به الحقوق والالتزامات.
فحين تستدين ألفًا، لا يتعلّق الألفُ بجيبك ولا بمالك المعيَّن. يتعلّق بذمّتك. ولذلك يبقى الدَّينُ إذا ذهب المالُ، وينتقل إلى تركتك إذا مِتّ.
أربعُ مراتبَ يخلط الناس بينها
- النيّة: عزمٌ في قلبك أن تفعل. لا يتعلّق بها حقٌّ لأحد، وهي بينك وبين الله.
- الوعد: أن تُخبر غيرك أنّك ستفعل. وهو خُلقٌ يُسأل عنه صاحبُه، والخُلفُ فيه بلا عذرٍ مذموم. وأمّا الإلزامُ به قضاءً فمسألةٌ اختلف فيها الفقهاء، واشتهر عن المالكيّة القولُ بلزومه في الجملة.
- العقد: إيجابٌ وقَبولٌ على محلٍّ معلوم. يلزم الطرفين، وتترتّب عليه المطالبة والفسخُ والتعويض.
- الدَّينُ الثابت: مالٌ استقرّ في الذمّة بأجلٍ معلوم. وهذا أثقلُها، لأنّ صاحبَه ينتظر.
فمن ظنّ أنّ الوعد كالعقد ظلم نفسه بالتشديد. ومن ظنّ أنّ العقد كالوعد ظلم غيره بالتهوين.
توثيقُ الدَّين ليس سوء ظنّ
أطولُ آيةٍ في القرآن هي آيةُ الدَّين [البقرة: ٢٨٢]، وموضوعُها الكتابةُ والإشهادُ وضبطُ الأجل. ولو كانت الكتابةُ تُهمةً لَما جاءت بهذا الطول.
| وسيلةُ التوثيق | ما تصنعه | صورتُها اليوم |
|---|---|---|
| الكتابة | تحفظ المقدار والأجل من النسيان | رسالةٌ مكتوبةٌ أو ورقةٌ موقّعة |
| الإشهاد | يُثبت الواقعة عند الإنكار | شاهدان يعرفان الطرفين |
| تحديدُ الأجل | يقطع النزاع في موعد السداد | تاريخٌ صريحٌ لا «حين أتيسّر» |
| الرهن | عينٌ تُحبَس بالدَّين | وثيقةُ ملكيّةٍ أو عين |
| الكفالة | ذمّةٌ تُضمّ إلى ذمّة | ضامنٌ يلتزم عند العجز |
ما لا يعنيه هذا
- لا يعني أنّ الدَّين عيب. الاستدانةُ عند الحاجة بابٌ معروفٌ عند الفقهاء؛ والذمُّ في المماطلة لا في أصل الدَّين.
- لا يعني أنّ المعسِر مماطل. المماطلةُ وصفُ القادر الذي يؤخّر؛ والمعسرُ جاء النصُّ بإنظاره [البقرة: ٢٨٠].
- لا يعني أنّ المسامحة واجبة. هي فضلٌ يُثاب عليه صاحبُه، ولا يُلام مَن طلب حقّه بالمعروف.
- لا يعني أنّ الكتابة تُفسد المودّة. بل تحفظها؛ فأكثرُ الخصومات بين الأقارب مولدُها كلمةٌ لم تُكتَب.
- لا يعني أنّ كلّ خُلفٍ في وعدٍ إثم. العذرُ الطارئ يُعتبَر، والكلامُ فيمن وعد وهو لا ينوي الوفاء.
من الحياة
طلب ابنُ العمّ قرضًا لعلاجٍ عاجل. فأخرج الرجلُ المبلغَ في دقيقتين، ثمّ أخرج ورقةً وقلمًا.
فتغيّر وجهُ الطالب وقال: أتشكّ فيّ؟
قال: لا. ولكنّي أنسى وتنسى، والسنةُ طويلة، وأولادي وأولادُك بعدنا. نكتب المبلغ والتاريخ والأجل، ونمضي.
وكتبا سطرين. ثمّ جاء أجلُ السداد وقد نسي الاثنان المقدارَ حقًّا، فرجعا إلى الورقة فوجداه. وسدّد الرجلُ دَينَه، وبقيت بينهما زيارةُ العيد كما كانت.
ماذا يلزمني أنا؟
- اكتُب الدَّين مهما صغُر، ومهما قرُب صاحبُه. الكتابةُ حفظٌ للودّ قبل أن تكون حفظًا للمال.
- حدِّد الأجل بتاريخ. «عند الميسرة» جملةُ مودّة، وليست أجلًا يُبنى عليه حساب.
- إذا حلّ الأجلُ وأنت قادر، فسدِّد اليوم. والمشهورُ عند الفقهاء أنّ مَطل القادر ظلم.
- إذا عجزت، فاذهب إلى دائنك قبل أن يطلبك. المصارحةُ في وقتها تحفظ ما بينكما.
- إذا كنت الدائن، فأمهِل المعسر. ولك أن تطلب حقّك بالمعروف من القادر.
- لا تَعِد بما لا تُغلّب على ظنّك الوفاءَ به. الوعدُ الذي تُلقيه لتنصرف من الموقف دَينٌ على لسانك.
- أحصِ ديونك في ورقةٍ واحدة، ودُلّ أهلك عليها. الدَّينُ لا يموت بموت صاحبه.
متى أحتاج إلى سؤال عالم؟
- إذا تغيّرت قيمةُ العملة بين وقت الاستدانة ووقت السداد.
- إذا كان في العقد شرطٌ جزائيٌّ أو زيادةٌ عند التأخير.
- إذا مات المدينُ أو الدائن، أو غاب الورثةُ أو كان فيهم قاصر.
- إذا أردت أن تُسقط بعض الدَّين مقابل تعجيل باقيه.
- إذا كنت كفيلًا وطُولِبتَ بالدَّين، أو أردت الرجوع على المدين.
- إذا وعدتَ وعدًا رتّب عليه غيرُك التزامًا وأردت الرجوع عنه.
وهذا الموقع يُرتّب ويُلخّص ويُحيل، ولا يُفتي. والواقعةُ التي بيدك تُعرَض على مفتٍ يعرف بنودها وحال أهلها.