لماذا أعرف حكم المعاملة قبل أن أوقّع؟
العقدُ يلزمك ساعةَ ينعقد، لا ساعةَ ترضى عنه. والسؤالُ قبل الإمضاء دقيقة؛ وتصحيحُ عقدٍ ماضٍ فسخٌ وردُّ مالٍ وخصومةٌ وربّما قطيعة. فاجعل معرفةَ الباب قبل الدخول فيه، لا بعده.
لماذا يهمّني هذا في ديني؟
على الطاولة ورقتان وقلم. البائعُ ينتظر، والوقتُ ضيّق، والشروطُ مكتوبةٌ بخطٍّ صغير. وأنت تقول في نفسك: أُوقّع الآن وأسأل بعدُ.
وهنا موضعُ الفرق. أكثرُ أفعالك يمضي وينقضي؛ أمّا العقدُ فيبقى. توقّع اليوم فتلتزم ستّين شهرًا، وتنشغل ذمّتُك بما فيها من أجلٍ وثمنٍ وشرط.
وقد أمر الله بالوفاء بالعقود [المائدة: ١].
فالوفاءُ لازمٌ لك بعد الدخول، شئتَ أم كرهت. ولذلك كان النظرُ في العقد قبل الدخول أهونَ عليك وأسلمَ لدينك. وقد أمر الله بسؤال أهل العلم عند الجهل: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ ۚ فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]
واشتهر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنّه كان يمنع من البيع في السوق مَن لم يتفقّه في الدين. ومعناه: العلمُ بالباب قبل دخوله، لا بعد وقوع الخصومة فيه.
الفكرة ببساطة
العقدُ عند الفقهاء ليس توقيعًا على ورقة. هو ارتباطُ إيجابٍ بقَبول، له أركانٌ إذا اختلّ منها ركنٌ اختلّ العقدُ كلُّه.
أركان العقد الثلاثة
- العاقدان: مَن يملك التصرّف ويرضى به. فالصغيرُ والمُكرَه والمحجورُ عليه لهم أحكامٌ خاصّة عند الفقهاء.
- المعقود عليه: السلعةُ والثمنُ والمنفعة. ويشترطون فيه أن يكون معلومًا، مملوكًا، مقدورًا على تسليمه.
- الصيغة: الإيجابُ والقَبول، بكلامٍ أو كتابةٍ أو ما جرى به العُرف بينهما.
ثمّ تأتي الشروط بعد الأركان: أن يكون الثمنُ معلومًا، والأجلُ معلومًا، والمنفعةُ موصوفةً لا مجهولة. والجهالةُ الفاحشةُ في هذه المواضع هي بابُ الغَرَر.
الفاسد والباطل
اشتهر عند جمهور الفقهاء أنّ العقد إذا اختلّ ركنُه أو شرطُ صحّته فهو باطلٌ لا أثر له. وعُرف عن الحنفيّة تفريقٌ بين الباطل — ما اختلّ أصلُه — والفاسد — ما صحّ أصلُه واختلّ وصفُه.
وأيًّا كان الاصطلاح، فالنتيجةُ العمليّةُ واحدة: العقدُ المختلُّ لا يُترَك على حاله. يُفسَخ، ويُرَدُّ ما قُبِض، وتُحسَب حقوقُ الناس فيه. وهذا وحدَه يكفي في بيان لماذا السؤالُ قبل التوقيع أرخصُ من السؤال بعده.
بابٌ فتحه الفقهاء اسمه «الخِيار»
ومن سَعة هذا الفقه أنّه لم يجعل العقد بابًا يُغلَق على من دخله بلا تروٍّ. فعندهم الخِيارات: حقوقٌ يملك بها أحدُ المتعاقدين إمضاءَ العقد أو فسخَه.
ومنها خيارُ الشرط: أن تشترط لنفسك مدّةً معلومةً تنظر فيها قبل أن يلزمك العقد. وهذا هو موضعُ سؤالك بعينه؛ فبدل أن تُوقّع ثمّ تسأل، تشترط ثلاثة أيّامٍ تسأل فيها ثمّ تُمضي.
ومنها خيارُ العيب: حقُّ الردّ إذا ظهر في السلعة عيبٌ قديمٌ لم تُخبَر به. وتفصيلُ هذه الخيارات وشروطُها عند الفقهاء، وموضعُها السؤال لا الاجتهاد.
كلفة السؤال قبلُ وبعدُ
| الموضع | سؤالٌ قبل التوقيع | ما يكلّفه بعده |
|---|---|---|
| تمويلُ سيّارةٍ أو بيت | ما حقيقةُ العقد؟ بيعٌ أم قرضٌ بزيادة؟ | التزامُ سنواتٍ وغرامةُ فسخ |
| عقدُ إيجار | ما المدّة؟ وما الأجرة؟ ومن يُصلح العيب؟ | نزاعٌ ودعوى وإخلاء |
| شراكةٌ مع صديق | كيف يُقسَم الربح؟ ومن يحمل الخسارة؟ | قطيعةٌ وحسابٌ لا ينتهي |
| عملٌ بعمولة | على أيّ شيءٍ العمولة؟ ومن يدفعها؟ | ردُّ مالٍ أُخِذ بغير وجهه |
| ضمانُ دَينٍ عن غيرك | ماذا يلزمني إن عجز المدين؟ | دَينٌ يستقرّ في ذمّتك أنت |
| بيعُ ما ليس عندك | هل أملكه؟ وهل أقدر على تسليمه؟ | فسخٌ وردُّ ثمنٍ وخصومة |
ما لا يعنيه هذا
- لا يعني أن تصير فقيهًا. يلزمك أن تعرف بابَ معاملتك وسؤالَها، لا أن تُحصّل أقوال المذاهب فيها.
- لا يعني تعطيلَ معاملاتك. والمشهورُ عند الفقهاء أنّ الأصل في المعاملات الإباحةُ حتّى يقوم دليلُ المنع.
- لا يعني أنّ السؤال بعد التوقيع لا ينفع. بل ينفع، وقد يكون بابُ التصحيح مفتوحًا؛ والمتأخّرُ خيرٌ من التارك.
- لا يعني أنّ فعل الناس حولك حجّة. كثرةُ السالكين طريقًا لا تُخبرك عن حكمها.
من الحياة
طُلِب من موظّفٍ أن يُوقّع عقدَ تمويلٍ في المعرض قبل أن يُغلق بابُه. والسيّارةُ أمامه، والعرضُ ينتهي مساءً، والبائعُ يُعيد الجملةَ كلَّ دقيقتين.
فقال كلمتين: أعطوني نسخةً من العقد، وأمهلوني إلى الغد. فتغيّر وجهُ البائع، ولم يتغيّر في السيّارة شيء.
وقرأ في تلك الليلة البنودَ الأربعة التي لم يفهمها، وكتبها في ورقةٍ صغيرة. ثمّ سأل عنها من يُحسن الجواب، وعاد في الصباح ومعه سؤالٌ واضحٌ لا حَيرة.
هو لم يُفتِ نفسه، ولم يُمضِ ما لا يعرف. وهذا هو المطلوبُ منه لا أكثر.
ماذا يلزمني أنا؟
- اطلُب نسخةً من العقد قبل أن تُمضيَه. ما لا تستطيع قراءتَه لا تستطيع الوفاءَ به.
- اعرف حقيقةَ العقد لا اسمَه. والعبرةُ عند الفقهاء بالمعاني لا بالألفاظ؛ فاسأل: أبيعٌ هو أم إجارةٌ أم قرض؟
- حدِّد الثلاثة: المحلَّ والثمنَ والأجل. فإذا غاب واحدٌ منها فأنت في موضع سؤال.
- اكتُب أسئلتك قبل الجلسة. السؤالُ المكتوبُ لا يُنسى تحت ضغط الوقت.
- لا تُوقّع مستعجَلًا. "العرضُ ينتهي اليوم" جملةُ بيعٍ، ولا أثر لها في ذمّتك.
- إذا أمضيتَ ثمّ تبيّن لك خلل، فلا تكتُمه. اسأل عن باب الخروج وردِّ الحقوق.
- اسأل مرّةً عن معاملتك المتكرّرة. بابٌ تدخله كلَّ شهرٍ يستحقّ سؤالًا واحدًا محرّرًا.
متى أحتاج إلى سؤال عالم؟
- إذا لم تعرف حقيقةَ العقد: أبيعٌ هو أم قرضٌ بزيادة أم إجارةٌ تنتهي بالتمليك.
- إذا كان فيه شرطٌ جزائيٌّ أو غرامةُ تأخيرٍ أو رسومٌ لم تعرف بابَها.
- إذا كان المبيعُ غيرَ موجودٍ حين العقد، أو كان تسليمُه مؤجَّلًا موصوفًا.
- إذا دخلت شراكةً فيها مالٌ من طرفٍ وعملٌ من طرف.
- إذا ضمنت دَينًا عن غيرك، أو رهنت مالًا، أو وكّلت من يتصرّف عنك.
- إذا اختلف عليك جوابان في المسألة نفسها؛ فالخلافُ يُسأل عنه أهلُه.
وهذا الموقع يُرتّب ويُلخّص ويُحيل، ولا يُفتي. والعقدُ الذي بيدك يُعرَض ببنوده على مفتٍ يعرف حالَك وبلدك.