هل رضا الطرفين يجعل كلّ معاملةٍ جائزة؟
الرضا شرطٌ في العقد، لا مُبيحٌ لكلّ محلّ. فالتراضي يُصحّح ما أذِن الشرعُ فيه، ولا يُحلّ ظلمًا بيّنًا رضِي به المظلوم. ولا يرفع منعًا تعلّق بحقّ الله: الرِّبا زيادةٌ في الدَّين، والغَرَر جهالةٌ فاحشة، والميسر مخاطرةٌ محضة.
لماذا يهمّني هذا في ديني؟
جملةٌ تُقال في كلّ خلافٍ ماليّ: كلانا راضٍ، فما شأنُ أحدٍ بنا؟ وهي جملةٌ صادقةٌ في نصفها، ناقصةٌ في نصفها الآخر.
صادقةٌ لأنّ الرضا مطلوبٌ حقًّا. فالعقدُ لا ينعقد على مُكرَه، والمالُ لا يحلّ بأخذه من صاحبه بغير طِيب نفس.
وناقصةٌ لأنّ الرضا ذُكِر في القرآن داخل سياجٍ لا خارجَه. قال سبحانه في النهي عن أكل المال بالباطل: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]
فالاستثناءُ وقع بالتجارة عن تراضٍ من جملة «الباطل». والمعنى: التراضي شرطٌ في التجارة المأذون فيها، لا مِعوَلٌ يهدم به الطرفان بابًا أغلقه الشرع.
ولو كان الرضا وحده كافيًا لَما بقي في باب المعاملات منعٌ أصلًا؛ فأكثرُ العقود الممنوعة يدخلها الطرفان راضيَين.
وانظر إلى الميسر: لا يدخله أحدٌ مكرَهًا، ومع ذلك جاء فيه النصّ: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَـٰمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]
الفكرة ببساطة
قسّم الفقهاء الحقوق قسمين، والفرقُ بينهما هو مفتاحُ هذا الباب كلِّه.
حقُّ العبد: حقٌّ ماليٌّ خالصٌ لك أنت. فلك أن تُسقطه وتُسامح فيه، لأنّه ملكُك. ومن هنا صحّت الهبةُ وإبراءُ المدين وإسقاطُ بعض الثمن.
حقُّ الله: منعٌ متعلّقٌ بالعقد نفسه، لا بشخصٍ معيَّن. فليس لأحد الطرفين أن يُسقطه، لأنّه ليس مالكًا له. واشتهر عند الفقهاء أنّ حقوق الله مبناها على المسامحة، وحقوق العباد مبناها على المشاحّة.
فإذا اجتمع الطرفان على عقدٍ فيه حقٌّ لله، فرضاهما لا يُغيّر شيئًا. هما رضِيا عن أنفسهما، والحقُّ ليس لهما.
أربعةُ أبوابٍ لا يفتحها الرضا
- الرِّبا: زيادةٌ في الدَّين مقابل الأجل، أو في مبادلة الجنس بجنسه. ورضا المقترض بها لا يُخرجها عن بابها.
- الغَرَر: الجهالةُ الفاحشة في محلّ العقد أو ثمنه أو أجله. ورضا الطرفين بالمجهول لا يجعله معلومًا.
- الميسر: أن يُعلَّق المالُ على مخاطرةٍ محضة، فيغنَم أحدُهما بمغرم الآخر.
- المحرَّمُ لعينه: كالخمر؛ لا ينقلب محلًّا صالحًا للعقد بتراضي المتعاقدين عليه.
ويُضاف إليها بابٌ خامس: الظلمُ البيّن، كاستغلال ضرورة المضطرّ. وقاعدةُ الشروط عندهم معروفة: الشروطُ بين الناس معتبرةٌ إلّا ما خالف نصًّا أو أحلّ ما حرّم الله.
ما الذي يُصحّحه الرضا، وما الذي لا يُصحّحه
| الصورة | هل الرضا كافٍ؟ | لماذا |
|---|---|---|
| تنازلُك عن جزءٍ من ثمنٍ لك | كافٍ | حقٌّ ماليٌّ لك، ولك إسقاطُه |
| إبراءُ مدينٍ معسِر | كافٍ | إسقاطٌ لحقّك أنت لا لحقّ غيرك |
| بيعُ سلعةٍ بثمنٍ مرتفعٍ عرفه المشتري | الأصل أنّه بيعٌ صحيح | لا جهالةَ ولا كتمان، والسعرُ تراضٍ |
| اتّفاقُ صديقين على رهانٍ على مباراة | غيرُ كافٍ | البابُ بابُ ميسر، والرضا فيه تامّ |
| قرضٌ يُردّ بزيادةٍ اتّفقا عليها | غيرُ كافٍ | البابُ بابُ رِبًا، والزيادةُ محلُّ المنع |
| بيعُ شيءٍ مجهول الوصف بلا رؤية | غيرُ كافٍ | جهالةٌ فاحشة، وهي الغَرَر |
| شرطٌ يُسقط أجرًا استحقّه أجيرٌ عن عمله | يُسأل عنه | إسقاطُ حقٍّ ثبت لغيرك ليس إليك |
ما لا يعنيه هذا
- لا يعني أنّ الرضا لا قيمة له. هو ركنٌ في العقد؛ والمأخوذُ بلا طِيب نفسٍ لا يحلّ لآخذه.
- لا يعني إلغاءَ اتّفاقات الناس. والمشهورُ عند الفقهاء أنّ الأصل في المعاملات والشروط الصحّةُ حتّى يقوم دليلُ المنع.
- لا يعني أنّ المسامحة لا تنفع. أنت تُسامح فيما تملكه؛ ولا تُسامح فيما ليس ملكًا لك.
- لا يعني أنّ الغبن كلَّه ممنوع. الربحُ مشروع، والكلامُ في الجهالة والتدليس والاستغلال لا في مجرّد ارتفاع الثمن.
- لا يعني أن تُخاصم الناس بهذه القاعدة. هي ميزانٌ لعقدك أنت، لا سوطٌ على عقود غيرك.
من الحياة
اتّفق صديقان على قرضٍ بين اثنين: مئةٌ اليوم، ومئةٌ وعشرةٌ بعد ستّة أشهر. وكتباها في رسالةٍ قصيرة على الهاتف.
قال الأوّل: أنا راضٍ تمامًا، والزيادةُ قليلة، ولن أتضرّر بها. وقال الثاني: وأنا أعطيتُك عن طيب نفس.
ثمّ توقّف أحدُهما وقال جملةً واحدة: رضانا يمنع بيننا الخصومة، ولا يُخبرنا عن باب المعاملة.
فسألا قبل أن يُرسلا الرسالة. ولم يخسرا بالسؤال يومًا واحدًا، ولا خسرا صداقتهما.
ماذا يلزمني أنا؟
- لا تجعل "كلانا راضٍ" جوابًا عن سؤال الحكم. الرضا يمنع الخصومة، ولا يُبيّن بابَ العقد.
- افصل بين حقٍّ تُسقطه وحقٍّ ليس لك. لك أن تُسامح في مالك، وليس لك أن تُسامح عن الشرع.
- انظُر في محلّ العقد لا في نبرة الاتّفاق. الودُّ بين المتعاقدين لا يُغيّر ما وقع عليه العقد.
- احذَر الرضا المبنيّ على جهل. مَن رضِي وهو لا يعلم حقيقة السلعة فرضاه ناقصٌ عند الفقهاء.
- إذا كان الطرفُ الآخر مضطرًّا، فقف. الاضطرارُ يُنقص الاختيار، وموضعُه سؤالٌ لا اجتهاد.
- اكتُب ما اتّفقتما عليه. الرضا الشفويُّ يذوب مع الأشهر، والمكتوبُ يبقى.
- إذا شككتَ في بندٍ فاسأل قبل الإمضاء. بندٌ واحدٌ قد ينقل العقد من بابٍ إلى باب.
متى أحتاج إلى سؤال عالم؟
- إذا كان في الاتّفاق زيادةٌ على قرض، أو غرامةُ تأخير، أو مقابلٌ للأجل.
- إذا كان محلُّ العقد مجهولًا أو مؤجَّلًا أو غيرَ مملوكٍ حين التعاقد.
- إذا دخلت اتّفاقًا فيه مخاطرةٌ محضة: يربح فيه طرفٌ بخسارة الآخر.
- إذا اشترط عليك شرطٌ يُسقط حقًّا لك أو حقًّا لثالثٍ غائب.
- إذا وقّعتَ وأنت مضطرٌّ أو جاهلٌ ببندٍ جوهريّ، ثمّ تبيّن لك ذلك.
- إذا كان العقدُ صحيحًا في نظام بلدك، وأشكل عليك بابُه في الشرع.
وهذا الموقع يُرتّب ويُلخّص ويُحيل، ولا يُفتي. ورضاكما لا يُغني عن سؤال مفتٍ يعرف تفصيل العقد.