جمعيّة الادّخار بين الأصدقاء والأقارب: ماذا أفهم فيها؟
الجمعيّةُ بين الزملاء صورةٌ قديمةٌ بثوبٍ جديد: كلٌّ يدفع قدرًا ثابتًا، ويأخذ المجموعَ واحدٌ بالدور. وهذه الصفحةُ تُريك كيف يقرؤها الفقهاء، وما الذي يجعل الجواب يختلف من جمعيّةٍ إلى أخرى.
لماذا يهمّني هذا في ديني؟
الجمعيّةُ مالٌ بين إخوةٍ وزملاءَ وجيران. وأثقلُ ما في المال ما تعلّق منه بحقّ آدميٍّ، لأنّه لا يسقط بالتوبة وحدَها.
وقد نزلت أطولُ آيةٍ في القرآن في كتابة الدَّين وضبطِ أجله والإشهاد عليه [البقرة: ٢٨٢].
ثمّ عقّبها بما إذا ائتمن بعضُكم بعضًا: ﴿۞ وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا۟ كَاتِبًا فَرِهَـٰنٌ مَّقْبُوضَةٌ ۖ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِى ٱؤْتُمِنَ أَمَـٰنَتَهُۥ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا۟ ٱلشَّهَـٰدَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٌ قَلْبُهُۥ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]
فالوصيّةُ الأولى في هذا الباب ليست فقهيّةً معقّدة؛ هي أن تُكتَب الشروطُ قبل أن يُدفَع أوّلُ قسط. وأكثرُ خصومات الجمعيّات وُلدت من ورقةٍ لم تُكتَب.
الفكرة ببساطة
كيف يقرأ الفقيهُ الجمعيّة؟
الجمعيّةُ في صورتها المشهورة عشرةُ أشخاصٍ مثلًا، يدفع كلٌّ منهم مئةً كلَّ شهر، فيأخذ واحدٌ منهم الألفَ في كلّ دور.
فمن أخذ أوّلًا فقد قبض مالًا يردّه على أقساط، فهو في المعنى مقترض. ومن أخذ آخرًا فقد دفع قبل أن يقبض، فهو في المعنى مُقرِض. وكلُّ عضوٍ فيها مُقرِضٌ ومقترضٌ في وقتين.
ولذلك يُسمّيها كثيرٌ من المعاصرين القرضَ المتبادَل. وليست شركةً، لأنّه لا ربحَ فيها ولا خسارة. وليست ادّخارًا ينمو، لأنّ الذي يخرج منك هو الذي يعود إليك.
أين موضعُ الخلاف؟
ذهب كثيرٌ من أهل العلم والمجامع الفقهيّة إلى أنّ الجمعيّة قروضٌ متبادَلة في صورتها المجرّدة من الزيادة. لا زيادةَ فيها لأحد.
ورأى آخرون المنعَ، لأنّ كلَّ واحدٍ إنّما أقرض ليُقرَض، فيدخل عندهم في القرض الجارِّ نفعًا.
والمسألةُ إذن موضعُ خلافٍ معتبَرٍ بين المعاصرين، لا مسألةٌ مُحكَمة. فإن كنت تتّبع مفتيًا أو مذهبًا فقولُه لك، واسأل قبل أن تدخل.
ما الذي يُخرِجها عن صورتها المجرّدة
الجدولُ في الأبواب التي يبحث فيها الفقيه، لا في الحكم على جمعيّتك أنت.
| ما يقع في الجمعيّة | السؤال الذي يُسأل | البابُ الذي يُبحَث فيه |
|---|---|---|
| الآخِرُ يأخذ أكثرَ ممّا دفع | زيادةٌ في مقابلة التأخّر؟ | رِبا الدُّيون في المشهور، وتفصيلُه يُسأل |
| شراءُ دورٍ متقدّمٍ بمال | عوضٌ في مقابلة التعجيل؟ | الزيادةُ على القرض، ويُسأل عنها |
| أجرٌ للمنظِّم | أجرةٌ على عملٍ فعليٍّ بقدره، أم نسبةٌ من المال؟ | الإجارةُ أو الزيادة على القرض |
| غرامةٌ على المتأخّر | زيادةٌ مشروطةٌ لتأخّر السداد؟ | رِبا الدُّيون في المشهور، وتفصيلُه يُسأل |
| ترتيبُ الأدوار بقرعةٍ بعوض | هل دُفع مالٌ للدخول في الاحتمال؟ | الميسر — موضعُ سؤال |
| مبلغٌ أو مدّةٌ أو ترتيبٌ غيرُ مضبوط | ما الذي التزمه كلُّ عضوٍ بالضبط؟ | الغَرَر والجهالة |
| الجمعيّةُ مربوطةٌ بذهبٍ أو عملةٍ أخرى | أتردّ المِثلَ أم القيمةَ يوم الأداء؟ | ردُّ المِثل في القرض، والصَّرف |
| عضوٌ تخلّف بعد أن قبض | مَن يضمن؟ وبأيّ التزام؟ | الكفالة والضمان |
| تفاوتُ الأنصبة أو تعدّدُ الأدوار | هل يعود إلى كلٍّ مثلُ ما دفع؟ | التماثلُ في القرض |
وللمجامع الفقهيّة في هذا الباب قراراتٌ يُرجَع إليها، وفيها تفصيلٌ لا تُغني عنه صفحة.
ما لا يعنيه هذا
- لا يعني أنّ الجمعيّةَ قرضٌ بفائدةٍ لمجرّد أنّ فيها دورًا. الدَّورُ ترتيبٌ في الزمن، لا زيادةٌ في المال.
- لا يعني أنّها شركةٌ ولا استثمار. لا ربحَ فيها يُقسَم، ولا خسارةَ تُحتمَل.
- لا يعني أنّ خلوّها من الزيادة يُنهي كلّ سؤال. يبقى الضبطُ والتوثيقُ وما يقع عند التخلّف.
- لا يعني أنّ عادةَ الناس في بلدك حجّة. العُرفُ يُعرَض على أهل العلم ولا يُقدَّم عليهم.
- لا يعني أنّ هذه الصفحة تُجيب عن جمعيّتك. هي تُسمّي الأبواب، والمفتي يُنزِلها على صورتك.
من الحياة
اجتمع ستّةُ زملاءَ في استراحة العمل، وكتبوا على ورقةٍ أسماءَهم وترتيبَ الأدوار. المبلغُ مئتان في الشهر، والمدّةُ ستّةُ أشهر.
فقال أحدُهم: مَن يأخذ في الشهر الأخير ينتظر طويلًا، فليأخذ عشرين زيادة. فسكت المجلس.
ثمّ قال أكبرُهم: هذه مسألةٌ لا نفصل فيها على طاولة. اكتبوا الشرطَ كما هو، ونسأل قبل أن ندفع أوّلَ قسط.
فكتبوا ثلاثة أسئلة: الزيادةُ للأخير، وأجرُ المنظِّم، وماذا نصنع إن سافر أحدُنا في منتصف المدّة. ولم يبدأوا حتّى عادوا بالجواب.
ماذا يلزمني أنا؟
- اكتُب الشروطَ قبل أوّل قسط. الأسماءُ والمبلغُ والمدّةُ وترتيبُ الأدوار وتاريخُ كلّ دفعة.
- حدِّد مجموعَ ما تدفعه ومجموعَ ما تأخذه. فإن دخلت زيادةٌ على أحد الطرفين فالسؤالُ يتغيّر.
- اسأل عن أجر المنظِّم قبل أن يُقبَض. أعملٌ بُذل بقدره، أم نسبةٌ من المال؟
- اضبِط ما يقع عند التخلّف. مَن يضمن؟ وهل هناك غرامة؟ والغرامةُ موضعُ سؤالٍ لا اتّفاق.
- انتبِه للجمعيّة المربوطة بذهبٍ أو بعملةٍ أخرى. فمسألةُ ردّ المِثل تصير هنا بابًا آخر.
- لا تُدخِل في الجمعيّة مالًا تحتاجه غدًا. التزامُك ستّة أشهرٍ التزامٌ في ذمّتك.
- إن أعسر أحدُ الأعضاء فأمهِله، والنصُّ في إنظار المُعسِر صريح: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا۟ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠]
- اعرِض صورةَ جمعيّتك على مفتٍ بشروطها المكتوبة. وابحث عن نظائرها في باب المال والمعاملات، وسَلْ عمّا لم تجده في صفحة السؤال.
متى أحتاج إلى سؤال عالم؟
- إذا اشتُرطت زيادةٌ لأحدٍ: للأخير، أو للمنظِّم، أو لمن يشتري دورًا متقدّمًا.
- إذا كانت هناك غرامةٌ على التأخّر أو على الانسحاب.
- إذا كان المبلغُ أو المدّةُ أو الترتيبُ غيرَ مضبوطٍ عند البداية.
- إذا كانت الجمعيّةُ بالذهب أو بعملةٍ غير عملة بلدك.
- إذا تخلّف عضوٌ بعد أن قبض، ووقع النزاعُ في الضمان.
- إذا كانت الجمعيّةُ داخل مؤسّسةٍ تأخذ عليها رسمًا أو تُقرِض عليها.
- إذا اختلف عليك جوابان ممّن تثق بعلمهم؛ فالخلافُ يُرجَع فيه إلى أهله.
وهذا الموقع يُرتّب ويُلخّص ويُحيل، ولا يُفتي. وصورةُ جمعيّتك تُعرَض بشروطها على مفتٍ يعرف تفصيلها.