من الذي يُحدِّد الحلال والحرام؟

فريق الفتوى التحريريحُدِّث في 5 سبتمبر 2026

اقرأ بعده

التحليلُ والتحريمُ حقٌّ لله وحده. فهو الخالقُ المالك، وله الأمرُ كما له الخلق. وأمّا نحن فنقول: أُحبّ، وأكره، ولا أنصح. وأمّا «هذا حرامٌ شرعًا» فخبرٌ عن حكم الله، لا رأيٌ لنا.

لماذا يهمّني هذا في ديني؟

لأنّ هذا السؤال يسبق كلَّ سؤالٍ في الدين. قبل أن تعرف حكمَ مسألةٍ، اعرِفْ مَن الذي يملك أن يحكم فيها.

فلو كان المرجعُ ذوقَ الناس، لتغيّر الدينُ بتغيّر الأمزجة. ولو كان العُرفَ، لاختلف الحلالُ من بلدٍ إلى بلد. ولو كان رأيَ الأكثرين، لصار الحقُّ تصويتًا يُعاد كلَّ جيل.

والقرآن يردّ الأمر إلى صاحبه. جاء في سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُۥ حَثِيثًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتٍۭ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]

فالذي خلق الشيء هو الذي يأذن فيه أو يمنع. وجاء في سورة يوسف: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ ۚ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٠]

ولذلك عدَّ القرآنُ التشريعَ بغير إذن الله بابًا خطيرًا، كما في سورة الشورى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَـٰٓؤُا۟ شَرَعُوا۟ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنۢ بِهِ ٱللَّهُ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ ۗ وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى: ٢١]

الفكرة ببساطة

المسألةُ مسألةُ مِلكيّةٍ لا مسألةُ رأي. أنت لا تأذن في بيت غيرك، ولا تمنع أحدًا من دخوله. فكيف بخلقٍ كلُّهم عبيدُ الله وفي مُلكه؟

وقد أنكر القرآنُ على قومٍ جعلوا من رزق الله حلالًا وحرامًا بلا إذن، في سورة يونس: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَـٰلًا قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ۖ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]

وحدُّ الحكم الشرعيّ عند الأصوليّين: خطابُ الله المتعلِّق بأفعال المكلَّفين — طلبًا أو تخييرًا أو وضعًا لسببٍ وشرط. وانظُر إلى الحدّ نفسِه: ذكر صاحبَ الخطاب قبل أن يذكر الفعل. فالحِلُّ والحُرمة وصفان معلّقان بخطاب الله، لا صفتان في الأشياء تُدرَكان بالحسّ ولا بالذوق.

ولا يعني هذا أنّ الكلام في الأحكام ممنوعٌ على الناس. بل لكلّ قائلٍ حدُّه، ولكلّ كلمةٍ موضعُها:

القائلما الذي يملكهوما لا يملكه
الله سبحانهالتحليلَ والتحريمَ ابتداءً
العالم والمفتيبيانَ الحكم ونقلَه عن دليلهأن يُنشئ تحريمًا لم يدلّ عليه دليل
وليُّ الأمر وصاحبُ العملتنظيمَ المباح ومنعَه لمصلحةٍ إداريّةأن يجعل المباحَ حرامًا أو الحرامَ حلالًا
أنت وعامّةُ الناس«أُحبّ» و«أكره» و«لا أنصح»«هذا حلال» و«هذا حرام» بلا علم

فالعالمُ مُخبِرٌ لا مُنشِئ. يدلُّك على ما وجده في الأدلّة، ولا يزيد عليها شيئًا من عنده. ولو منع أعلمُ أهل الأرض شيئًا لم يمنعه الشرع، ما صار ممنوعًا بقوله.

وماذا عن المنع الذي ليس تحريمًا؟

يمنعك صاحبُ العمل من الهاتف في الدوام، ويمنع النظامُ الوقوفَ في مكانٍ بعينه. وهذا تنظيمٌ لا تحريم؛ فهو يُرتِّب المباح ولا يُغيّر حكمَ الله فيه. وأمّا حدُّ طاعتهم فيما أمروا به فبابٌ آخر، يُسأل عنه أهلُ العلم ولا يُقاس بالذوق.

ما لا يعنيه هذا الكلام

ليس معناه أنّ ذوقك لا قيمة له. لك أن تُحبّ وتكره وتختار في سَعة المباح، وهذا بابُك الذي لا يُنازعك فيه أحد.

وليس معناه أنّ أهل العلم لا يقولون: هذا حرام. يقولونها نقلًا عن الدليل لا إنشاءً من أنفسهم. والفرقُ بين النقل والإنشاء هو مدارُ الباب كلِّه.

وليس معناه أنّ منعَ الأب أو صاحبِ العمل أو النظام لا وزن له. فطاعةُ هؤلاء في المعروف بابٌ قائمٌ في الشرع، غير أنّه ليس بابَ التحليل والتحريم.

من الحياة

قالت أمٌّ لابنتها: السفرُ للدراسة حرام. فسألتها البنت: ومن أين عرفتِ أنّه حرام؟ فسكتت الأمُّ قليلًا، ثمّ قالت الكلمةَ الصادقة: «أنا خائفةٌ عليكِ.»

وبين الجملتين مسافةٌ بعيدة. الأولى دعوى حكمٍ على الله، والثانية شفقةُ أمٍّ لا يلومها عليها أحد.

ولو بدأت بالثانية لكان كلامُها في موضعه: «أخافُ عليكِ، ولا يطمئنُّ قلبي.» أمّا أن يُلبَس الخوفُ ثوبَ التحريم فهناك يقع الخلل.

ونحن هنا لا نحكم في سفر البنت بشيء؛ فتلك مسألةٌ لها شروطُها وتفاصيلُها. وحقُّ الأمّ في أمرها ونهيها بابٌ ثالث، له صفحتُه.

ماذا يلزمني أنا؟

  • اسأل عن مصدر الكلمة قبل أن تحملها. إذا سمعتَ «حرام» فقل: مَن قالها؟ وعن أيّ دليل؟
  • زِنْ عبارتك أنت. قل "لا أُحبّه" أو "لا أنصح به"، ودَعْ لفظَ التحريم لأهله.
  • لا تُضيِّق على نفسك بما لم يُضيَّق به عليك. والتشديدُ من عندك ليس تقوى، وقد يجرُّك إلى يمينٍ أو نذرٍ لا تعرف حكمه.
  • افصِلْ بين المنع الإداريّ والتحريم الشرعيّ. لائحةُ العمل شيء، وخطابُ الشرع شيءٌ آخر.
  • لا تجعل العُرف مصدرًا للحكم. فما اعتاده أهلُ بلدك قد يوافق الشرع وقد يخالفه، والعبرةُ بالدليل لا بالعادة.
  • اسأل عن وجه الحكم إن أشكل عليك، فطلبُ الفهم مطلوب. وأمّا ردُّ الحكم لأنّه لا يوافق هواك فبابٌ آخر.

متى أحتاج إلى سؤال عالم؟

  • إذا سمعتَ تحريمًا بلا دليل، أو رأيتَ الناس يتناقلون منعًا لا تعرف من أين جاء.
  • إذا تعارض عندك العُرفُ والنصُّ في زواجٍ أو ميراثٍ أو معاملةٍ ماليّة.
  • إذا حرّمتَ على نفسك شيئًا بيمينٍ أو نذر، فالخروجُ من ذلك له أحكامٌ لا تُؤخذ بالرأي.
  • إذا أُمِرتَ في عملك أو بلدك بما تظنّه ممنوعًا، فحدُّ الطاعة هنا يُسأل عنه ولا يُفتى فيه بالعموم.
  • إذا اختلف أهلُ العلم في المسألة، فلا تُرجِّح بين قولين بذوقك.

وهذا الموقع يُلخِّص أجوبةً قائمةً في مصدرها ويُحيل إليها؛ فهو دليلٌ إلى الجواب، ولا يقوم مقام سؤالِ عالمٍ في واقعتك.

يتّصل به