ماذا أفعل إذا خالف الحكمُ رغبتي؟
افصِلْ بين ثلاثة أشياء: الحكم، ورغبتك، وحالك. فالحكمُ لا يتغيّر بضيقك منه، ورغبتُك ليست عيبًا تُخفيه، وحالُك قد يكون فيها عذرٌ أو سَعةٌ لا تعرفها. فابدأ بالتثبّت من الحكم، ثمّ اسأل عن حالك أنت.
لماذا يهمّني هذا في ديني؟
لأنّ الطاعة لا تُختبَر فيما يوافق الهوى. الصلاةُ في يومٍ فارغٍ سهلة، والصدقُ في موضعٍ لا يضرُّك سهل. وإنّما يظهر معنى الإسلام حين يقول لك الشرعُ: لا، وأنت تقول: أريد.
وقد بيّن القرآنُ أنّ الأمر ليس مطروحًا للاختيار بعد أن يُقضى، في سورة الأحزاب: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]
وجاء أدقُّ من ذلك: أن يخلوَ القلبُ من الضيق بالحكم، في سورة النساء: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]
على أنّ الشرع لم يطلب منك أن تُلغيَ رغبتك من أصلها. طلب منك أن تُقدِّم أمرَ الله عليها. وفرقٌ بين مَن يشتهي ثمّ يمتنع، ومَن يعترض على الحكم ويردُّه.
الفكرة ببساطة
الموقفُ عمليٌّ لا شعوريٌّ فقط. وهذه خطواتٌ مرتَّبة، تُنجزها في يومك:
- تثبّت من الحكم قبل أن تضيق به. أكثرُ ما يشتدُّ على الناس ليس الحكمَ، بل نقلًا ناقصًا عنه سمعوه في مجلسٍ أو مقطع.
- اسأل عن وجه الحكم. طلبُ الفهم مباح، ومعرفةُ المعنى تُهوِّن كثيرًا من الثِّقَل.
- صوِّر حالك كاملةً لمن يُفتيك. المبالغ، والزمن، والالتزامات، ومن يعولك. فالجوابُ ابنُ الصورة التي تعرضها.
- افصِلْ بين "لا أريد" و"لا أستطيع". فإن كانت في الأمر مشقّةٌ حقيقيّةٌ أو ضرورة، فتلك أبوابٌ لها أهلُها، تُعرَض على العالم ولا تُقرَّر في نفسك.
- لا تدُرْ على المشايخ حتّى تسمع ما يعجبك. طلبُ الفتوى شيء، وطلبُ الرخصة شيءٌ آخر.
- ابدأ بأصغر خطوةٍ تقدر عليها اليوم. الخروجُ المتدرِّج من أمرٍ متشابك خيرٌ من نيّةٍ مؤجَّلةٍ إلى شهرٍ لا يأتي.
وفي القرآن وعدٌ لمن سلك هذا الطريق. وعد اللهُ المتّقيَ بفَرَجٍ من ضيقه، وبرزقٍ من جهةٍ لا يتوقّعها [الطلاق: ٢–٣].
وليس معنى هذا أن يزول الضيقُ في ساعته. معناه أنّ الطريق ليس مسدودًا كما يبدو لك وأنت واقفٌ في أوّله.
كلمتان من الفقه تُغيِّران نظرك
يُفرِّق الفقهاء بين العزيمة والرخصة. فالعزيمةُ هي الحكمُ الأصليُّ الثابتُ ابتداءً لا لعذر. والرخصةُ ما شُرِع لعذرٍ طرأ على المكلَّف مع قيام السبب الأصليّ. فالقَصْرُ في السفر والفطرُ للمريض رخصةٌ شرعها الشارع، لا تخفيفٌ اخترعه المكلَّف لنفسه.
ومن قواعدهم المشهورة: المشقّةُ تجلب التيسير. ولها قيدٌ لا يصحّ إسقاطه؛ فالمشقّةُ المعتبَرة ليست كلَّ كُلفة. وكُلفةُ العبادة المعتادة — كبَرْد الماء وطول اليوم — لا تُسقِط الحكم، وإلّا سقطت التكاليفُ كلُّها.
فإذا ضاق بك حكمٌ فاسأل: أفي حالي عذرٌ معتبَرٌ يُنزِلني منزلةَ الرخصة؟ والذي يُجيب عن هذا عالمٌ ينظر في حالك، لا أنت وأنت في موضع الرغبة.
ما لا يعنيه هذا الكلام
ليس معناه أن تكتُم ما في نفسك. الصراحةُ مع الله في دعائك، ومع من تسأله من أهل العلم، أنفعُ من التظاهر بالرضا.
وليس معناه أنّ كلَّ ضيقٍ عذر. الضيقُ حالٌ في النفس، والعذرُ وصفٌ يُنظر فيه بميزان الشرع لا بميزان الرغبة.
وليس معناه أنّ الرخصة تُؤخذ بالتشهّي. الرخصةُ تُطلَب من بابها، وتُعرَض عندها الحالُ كاملةً كما هي.
من الحياة
جمع شابٌّ مالًا في أربع سنوات، ووجد صفقةً أعجبته. فسأل قبل أن يوقّع، فجاءه الجواب: في هذا العقد ما يحتاج إلى نظر.
وكان أوّلُ ما دار في نفسه: سأسأل غيره. ثمّ صنع شيئًا آخر: أخذ العقد كاملًا، وكتب أسئلته في ورقة، وجلس إلى عالمٍ يقرأ معه البنود.
فبيّن له المفتي موضعَ السؤال في العقد، ودلّه على طريقٍ آخر يبلغ به بعضَ ما أراد. وكلّفه ذلك سنةً من الانتظار.
ولسنا نذكر هنا حكمَ ذلك العقد ولا اسمَه. فالعقود تختلف بألفاظها وشروطها، وجوابُها عند من يقرؤها لا في صفحةٍ عامّة.
ماذا يلزمني أنا؟
- اعترِفْ بالرغبة ولا تُخفِها عن نفسك. الوضوحُ مع النفس أوّلُ الطريق، وإنكارُ الرغبة يُخرجها في صورة تأويل.
- لا تحكُم على الحكم قبل أن تتحقّق منه. اسأل: هل هذا ثابتٌ؟ وهل في المسألة خلافٌ معتبَر؟
- اذكُر التفاصيل التي تُغيّر الجواب: المال، والوقت، والضرر، والعقود القائمة، ومن يلزمك أن تنفق عليه.
- لا تُقارن حالك بحال غيرك. فتوى صاحبك بُنيت على صورته هو، وقد تختلف صورتُك في سطرٍ واحد.
- حدِّد خطوةً واحدةً بتاريخ. "أتوقّف عن كذا اليوم"، أو "أراجع العقد هذا الأسبوع".
- لا تُعلِّق الطاعة على زوال الضيق. فالضيقُ يخفُّ بعد العمل غالبًا، لا قبله.
- وإذا سقطتَ فعُدْ ولا تُطِلْ الوقوف. بابُ التوبة مفتوح، والاستمرارُ في الخطأ ليس علاجًا للخطأ.
متى أحتاج إلى سؤال عالم؟
- إذا كنتَ داخلًا في عقدٍ قائمٍ يصعب فسخُه، فالخروجُ منه له أحكامٌ وتفصيل.
- إذا كان في الأمر مشقّةٌ ظاهرةٌ أو ضررٌ على بدنك أو معاشك، فهذا موضعُ سؤالٍ لا موضعُ اجتهادٍ منك.
- إذا كان في الأمر حقٌّ لمخلوق: زوجةٌ أو شريكٌ أو دائنٌ أو ولد.
- إذا كان في المسألة اجتهادٌ وخلافٌ بين أهل العلم، فلا تختر بين القولين بميلك.
- إذا طال بك الضيقُ من حكمٍ تعرف ثبوتَه، فاعرِضْ حالك على عالمٍ تثق به؛ فقد يكون الخللُ في تصوُّرك للمسألة.
وصفحاتُ هذا الموقع تُلخِّص أجوبةً قائمةً في مصدرها وتُحيل إليها. فهي تُقرِّب لك الجواب، ولا تحلّ محلَّ سؤالِ عالمٍ في واقعتك.