ما معنى أن تكون مسلمًا مستسلمًا لله؟
الإسلامُ أن تُسلِمَ وجهَك لله: أن يكون مرادُه هو المرجِّح في قرارك حين يخالف هواك. وليس اسمًا في بطاقة، ولا ثقافةً ورثتَها عن أهلك. هو انقيادٌ يوميٌّ يظهر في صغير الأمر قبل كبيره.
لماذا يهمّني هذا في ديني؟
لأنّ الكلمة التي نُسمّي بها أنفسنا وصفُ فعلٍ لا وصفُ نسب. والإسلام في لسان العرب: الاستسلامُ والانقياد. فمن قال "أنا مسلم" فقد وصف نفسه بأنّه منقادٌ لله.
وقد جعل القرآن هذا المعنى حدًّا فاصلًا، لا زينةً تُضاف. قال الله في سورة البقرة: ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُۥٓ أَجْرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١٢]
فالمذكور في الآية فعلٌ يفعله العبد: إسلامُ الوجه لله. لا اسمٌ يُكتَب، ولا بيتٌ يُنتسَب إليه.
ثمّ جاء في سورة النساء ما هو أدقُّ من ذلك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]
ووجهُ الدلالة أنّ المطلوب أمران لا أمرٌ واحد: أن تُحكِّم الشرعَ، ثمّ أن يطمئنّ قلبُك بما حكم. فالانقيادُ الظاهرُ وحدَه نصفُ الطريق.
وفي سورة الأحزاب: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]
وهذا هو موضعُ الامتحان في حياة أكثرنا. ليست المشكلةُ أن نجهل مرادَ الله دائمًا؛ المشكلةُ أن نعرفه ثمّ نُبقيَ لأنفسنا خيارًا بعده.
الفكرة ببساطة
الناسُ يحملون كلمة «مسلم» على ثلاث صور. انظر أيَّها أقربُ إلى يومك:
| كيف تُحمَل الكلمة | السؤال الذي يسبق القرار | أين تظهر |
|---|---|---|
| هويّةٌ على ورق | «ما اسمي وما ديانتي في الاستمارة؟» | في الأوراق والمناسبات |
| ثقافةٌ موروثة | «ماذا يفعل أهلي وأهلُ بلدي؟» | في الأعياد والأعراس والطعام |
| استسلامٌ لله | «ما الذي يرضي ربّي في هذه المسألة؟» | في القرار الذي لا يراه أحد |
والصورةُ الثالثةُ لا تُلغي ما قبلها. الاسمُ حقٌّ، والعادةُ الطيّبةُ خير. ولكنّهما لا يقومان مقامَ الانقياد.
ثمّ إنّ الاستسلام ليس معناه أن تعيش بلا رغبة. لك أن تشتهي، ولك أن تُحبّ وتكره؛ فهذا خِلقةٌ فيك لا عيبٌ عليك. إنّما تظهر العبوديّةُ حين تتعارض إرادتان: إرادتُك وإرادةُ ربّك. فأيُّهما تُقدِّم عند التزاحم؟ هناك يُعرَف المسلم.
ولذلك كان الإسلام عملَ القلب قبل عمل الجوارح. والقلبُ هو الذي يُصحِّح الوجهة، ثمّ تتبعه اليدُ واللسان. وفي أوّل صحيح البخاري: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» (رواه البخاري، رقم ١)
فالفعلُ الواحد يقع من رجلين، فيكون لأحدهما عبادةً ولا يكون للآخر شيئًا. والفارقُ ما في القلب.
وقد جمع القرآن هذا كلَّه في كلمةٍ واحدة تُقال في الصلاة كلَّ يوم، في سورة الأنعام: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢]
انظر إلى سعة العبارة: الصلاةُ والنُّسُك، ثمّ المحيا والممات. لم يُذكَر ركنُ العبادة وحده، بل ذُكرت الحياةُ كلُّها معه.
من الحياة
عُرِض على شابٍّ عقدُ عملٍ يرفع دخلَه مرّتين. قرأ البنود، فوقف عند بندٍ في طريقة احتساب الأجر لم يطمئنّ إليه. والوقتُ ضيّق، والعرضُ لن يتكرّر في الغالب.
فأخذ ساعةً من ليلته وكتب سؤالًا مرتَّبًا: ما نصُّ البند، وما صورتُه على أرض الواقع، وما البدائلُ المعروضة. ثمّ أرسله إلى عالمٍ يثق بعلمه، وانتظر الجواب.
انظر ماذا صنع. لم يُفتِ نفسَه، ولم يمضِ بلا سؤال. أخّر رغبتَه ليلةً واحدةً حتّى يعرف مرادَ الله. هذا هو الاستسلام في صورته اليوميّة، بلا شعارٍ ولا خطبة.
ولسنا نقول لك هنا: حكمُ هذا البند كذا. فحكمُ العقود لا يُعرَف إلا بعد النظر في نصّها وحال صاحبها. وإنّما المقصودُ الموقفُ نفسه: وقفةٌ قصيرةٌ قبل التوقيع.
ماذا يلزمني أنا؟
- رتِّبِ السؤالين، ولا تُلغِ أحدهما. اسأل أوّلًا: ما مرادُ الله هنا؟ ثمّ اسأل: ما الذي يناسبني؟ ولك بعد ذلك أن تختار من الحلال ما تُحبّ.
- تعلَّمْ من دينك ما يخصُّ حالَك أنت. صلاتُك وطهارتُك وصيامُك لكلّ أحد. فإن تاجرتَ فأحكامُ تجارتك، وإن تزوّجتَ فأحكامُ بيتك.
- قِفْ عند ما لا تعرف حكمَه حتّى تسأل. الوقفةُ ساعةً أهونُ من الندم سنة، والسؤالُ ليس نقصًا فيك.
- لا تقُلْ «حلال» ولا «حرام» بلا علم. فرقٌ كبيرٌ بين «لا أُحبّ هذا» و«هذا حرامٌ شرعًا». الأولى رأيُك، والثانيةُ خبرٌ عن الله.
- اعمَلْ على قلبك كما تعمل على جوارحك. التسليمُ الكاملُ أن يهدأ صدرُك بعد أن تعرف الحكم، لا أن تنقاد وأنت مُتبرِّم.
- ابدأ بالصغير. كلمةٌ تحبسها، ودرهمٌ تتركه، وموعدٌ تفي به. هذه مواضعُ التمرين قبل القرارات الكبيرة.
متى أحتاج إلى سؤال عالم؟
المقالة تشرح المعنى العامّ، ولا تُنزِل حكمًا على واقعتك. فارجع إلى أهل العلم في هذه المواضع:
- كلُّ واقعةٍ معيّنةٍ لها تفاصيل: عقدٌ في يدك، أو مالٌ تدخل فيه، أو مسألةُ ميراثٍ أو طلاقٍ أو نَذْر. التفاصيلُ تُغيّر الجواب.
- إذا تعارض عندك قولان سمعتَهما من اثنين، فليس المخرجُ أن تختار ما يُوافق هواك.
- إذا كان فيك عذرٌ أو مشقّةٌ أو مرض، فللشرع في ذلك بابٌ لا يُقاس بالعافية.
- إذا كنت حديثَ عهدٍ بالإسلام أو بالالتزام، فالترتيبُ بين ما تبدأ به وما تؤخّره يحتاج من يدلُّك عليه.
- إذا وجدتَ نفسك تبحث عن جوابٍ يُرضيك لا عن جوابٍ يُرضي الله، فقِفْ. هذا وحدَه علامةٌ تستحقّ السؤال.
ونحن في هذا الموقع نُرتِّب ونُلخِّص ونُحيل إلى الجواب الكامل في مصدره، ولا نُفتي.