لماذا يهتمّ المسلم بمعرفة الحلال والحرام؟
الحلال والحرام ليسا قائمةَ قيود، بل هما موضعُ العبوديّة في يومك. فالمسلم يسأل قبل الإقدام: هل يرضي هذا ربّي؟ ثمّ يسأل: هل يناسبني؟ والترتيبُ بين السؤالين هو الفرق.
لماذا يهمّني هذا في ديني؟
لأنّ العبوديّة لا تظهر في الصلاة وحدها. تظهر في الدرهم الذي تأخذه، وفي الكلمة التي تكتبها، وفي العقد الذي توقّعه. فالذي أمرك بالصلاة هو الذي بيّن لك ما تأكل وما تدع.
ومَن ظنّ أنّ الحلال والحرام قائمةٌ من الممنوعات فقد قلَبَ الصورة. القاعدةُ المنقولةُ عن جمهور أهل العلم أنّ الأصل في الأشياء الإباحةُ إلّا ما دلّ الدليلُ على منعه. فالواسعُ هو المباح، والممنوعُ هو المعدود.
وقد جاء الخطابُ في القرآن بالتوسعة قبل التضييق، في سورة البقرة: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُوا۟ مِمَّا فِى ٱلْأَرْضِ حَلَـٰلًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨]
ثمّ حُصر التحريمُ في مواضعَ معلومة، في سورة الأعراف: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّىَ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلْإِثْمَ وَٱلْبَغْىَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَـٰنًا وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]
بل جاء النهيُ عن تحريم الطيّبات على النفس، في سورة المائدة: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحَرِّمُوا۟ طَيِّبَـٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧]
فالمسألةُ إذن ليست تضييقًا على الحياة، بل ترتيبًا لها. وأنت في سَعةٍ فيما لم يُمنَع، وفي أدبٍ عند ما مُنِع.
الفكرة ببساطة
الحلالُ والحرامُ خبرٌ من الله عن حكم الله. ولذلك كان الخطأُ فيهما أثقلَ من الخطأ في الذوق والرأي. وقد جاء التشديدُ في القول بلا علم في سورة النحل: ﴿وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلَـٰلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦]
وهنا يخلط الناسُ بين ثلاث كلماتٍ ليست سواءً:
| العبارة | من يقولها | ما وزنُها |
|---|---|---|
| "لا أُحبّ هذا" | أنت | ذوقٌ شخصيّ، لا يلزم غيرَك |
| "لا أنصح به" | أنت أو ناصحٌ لك | رأيٌ وتجربة، يحتمل الصواب والخطأ |
| "هذا حرامٌ شرعًا" | أهلُ العلم عن دليل | خبرٌ عن حكم الله، لا يُقال بالظنّ |
فإذا انتقلتَ من السطر الأوّل إلى السطر الثالث بلا علم، فقد قلتَ على الله ما لم يقُل. وهذا هو موضعُ الخطر، لا مجرّدُ الوقوع في ممنوع.
ثمّ إنّ بين الحلال البيّن والحرام البيّن منطقةً ثالثةً يقعُ فيها أكثرُ سؤال الناس اليوم. وقد بيّنها حديثُ النعمان بن بشير، وهو في صحيح البخاري: «الْحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ …» (رواه البخاري، رقم ٥٢)
ووجهُ الدلالة أنّ الشريعة لم تُنكِر وجودَ المشتبِه، بل سمَّته وأرشدت إلى التوقّي فيه. فالسؤالُ ليس عيبًا في دينك؛ هو الطريقُ الذي جاء به الحديثُ نفسُه.
من الحياة
وقف صديقان أمام رفٍّ في متجر. قلَبَ الأوّلُ العلبةَ في يده وقال: "هل هذا حلال؟" فأجابه الثاني في نصف ثانية: "طبعًا حلال، الكلّ يشتريه."
ولو تأمّلتَ في الجواب لوجدته لم يستند إلى شيء. لا إلى نصّ، ولا إلى فحصٍ للمكوّنات، ولا إلى قول عالم. استند إلى أنّ الناس يشترونه.
والجوابُ الذي كان يسعُه أن يقوله كلمتان: "لا أدري، اسأل." وهي كلمةٌ لا تُنقِص رجلًا، وقد قالها من هم أعلمُ منّا جميعًا.
ونحن هنا لا نحكم على تلك العلبة بشيء. الغرضُ من المشهد الفرقُ بين جوابٍ مبنيٍّ على علم، وجوابٍ مبنيٍّ على عادة الناس.
ماذا يلزمني أنا؟
- قدِّمْ سؤال "هل يرضي الله؟" على سؤال "هل يناسبني؟" وليس المطلوب أن تُلغيَ رغبتَك، بل أن تُؤخِّرها خطوةً واحدة.
- اعرِفْ حكمَ ما تدخل فيه قبل أن تدخل، خاصّةً في المال والعقود والزواج. فمعرفةُ الحكم بعد التوقيع تُصلح القليل.
- لا تُطلِق كلمة «حرام» ولا كلمة «حلال» على شيءٍ لا تعلم حكمَه. قل: "لا أعرف"، أو "اسأل أهل العلم".
- لا تجعل فعل الناس دليلًا. كثرةُ الفاعلين ليست حجّةً شرعيّة، وقلّتُهم ليست حجّةً كذلك.
- افرَحْ بالمباح الواسع. أكثرُ ما في يومك مباح، فلا تعِش مُثقَلًا بالوسواس فيما لم يأتِ فيه منع.
- وإذا اشتبه عليك الأمرُ فتوقَّفْ حتّى تسأل، ولا تُقدِمْ على غير بيّنة.
متى أحتاج إلى سؤال عالم؟
- كلُّ معاملةٍ ماليّةٍ لها شروطٌ مكتوبة: تمويلٌ أو تقسيطٌ أو شراكةٌ أو بطاقة. صورتُها هي التي تُحدِّد الجواب، لا اسمُها التجاريّ.
- الأطعمةُ والمكوّناتُ التي تحتاج فحصًا: مصدرُ اللحم، أو مادّةٌ في قائمة المكوّنات لا تعرف أصلها.
- ما اختلف فيه أهلُ العلم، فسمعتَ فيه قولين. هذا بابٌ يُسأل فيه، ولا يُختار فيه بالهوى.
- حالُك أنت إذا كان فيها ضرورةٌ أو عذرٌ أو إكراه. فهذه أبوابٌ لها أهلُها، ولا تُقاس على حال المعافى.
- إذا كنتَ ستُفتي غيرَك، فقِفْ. نقلُ جوابِ عالمٍ إلى سائلٍ شيء، والحكمُ على واقعته شيءٌ آخر.
وصفحاتُ هذا الموقع تُلخِّص أجوبةً قائمةً في مصدرها وتُحيل إليها. فهي تُقرِّب لك الجواب، ولا تحلّ محلَّ سؤالِ عالمٍ في واقعتك.