لماذا لا أقول: هذا حلال وهذا حرام بلا علم؟
الكلمتان خبرٌ عن حكم الله، لا وصفٌ لرأيك. وقد نهى القرآنُ عن القول على الله بلا علم. وعندك بدائلُ صادقةٌ تكفيك: "لا أعرف حكمه"، و"لا أنصح به"، و"اسأل أهل العلم".
لماذا يهمّني هذا في ديني؟
لأنّك تتكلّم كلَّ يوم. في مجلس أهلك، وفي مجموعة العمل، وفي تعليقٍ تكتبه في دقيقة. وكلمةُ «حرام» في هذه المواضع ليست تحذيرًا شخصيًّا؛ هي دعوى أنّ الله حرّم.
وقد جاء التشديدُ في هذا المعنى صريحًا، في سورة النحل: ﴿وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلَـٰلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦]
فالوصفُ باللسان شيء، ونسبةُ التحريم إلى الله شيءٌ آخر. والقرآنُ جعل الثانيةَ افتراءً حين تُقال بلا علم.
وعقد ابنُ القيّم في «إعلام الموقِّعين عن ربّ العالمين» كلامًا مشهورًا في آداب الفتوى. وفي العنوان وحده درسٌ: من أخبر بحكم الله فقد وقّع عنه، فليَنظُر بأيّ شيءٍ يوقّع.
الفكرة ببساطة
القاعدةُ العامّة في الكلام كلِّه جاءت في سورة الإسراء: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۚ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]
وقُرِن القولُ على الله بغير علمٍ بأشدّ ما يُقرَن به، في سورة البقرة: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِٱلسُّوٓءِ وَٱلْفَحْشَآءِ وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩]
فالمسألة ليست تأدّبًا في العبارة. هي حفظُ لسانك أن يدخل بابًا ليس لك.
فرقٌ يحسم أكثرَ الخصام: الفعل والمعيَّن
قرّر أهلُ العلم فرقًا بين الحكم على الفعل في نفسه وبين تنزيل الحكم على المعيَّن. فالأوّل كقولنا: الرِّبا محرَّم، والغِيبة محرَّمة، وهذا منقولٌ عن النصوص. والثاني إلزامُ شخصٍ بعينه أو واقعةٍ بعينها بهذا الوصف.
وهو بابٌ آخر، لأنّه يحتاج إلى تحقُّق الشروط وانتفاء الموانع. ومعناه أن تثبت الصورةُ كما تصوّرتَها، وأن ينتفي الجهلُ والإكراه والتأويل وسائرُ ما يُغيِّر الحال.
فأنت تنقل الأوّل إذا كنت واثقًا من نقله. وأمّا الثاني فليس إليك، ولو كنتَ صادقًا في غيرتك. ومن هنا يقع أكثرُ الأذى بين الإخوة والزملاء: حكمٌ عامٌّ صحيحٌ يُلقى على رجلٍ بعينه بلا نظرٍ في حاله.
قُلْ هذا بدل ذاك
| بدل أن تقول | قُلْ | لماذا |
|---|---|---|
| "هذا حرام" وأنت لا تدري | "لا أعرف حكمه، فلنسأل" | لا تنسُبْ إلى الله ما لم تتحقّق منه |
| "هذا حلال، الكلُّ يفعله" | "لم أرَ فيه منعًا، والسؤالُ أطمأنّ" | فعلُ الناس ليس دليلًا شرعيًّا |
| "أنت آثم" | "هذا الفعل جاء فيه نهي، وأمّا حالُك فأنت أدرى بها ومعك من تسأله" | الحكمُ على المعيَّن غيرُ الحكم على الفعل |
| "الشيخ فلان يُحرِّمه" بلا تثبّت | "سمعتُ عنه شيئًا ولم أتحقّق منه" | العزوُ أمانة، ونسبةُ القول تُراجَع |
| "هذه المسألة محسومة" وفيها قولان | "في المسألة خلافٌ بين أهل العلم" | إخفاءُ الخلاف تضليلٌ ولو بحسن نيّة |
ما لا يعنيه هذا الكلام
ليس معناه أن تصمُت عن دينك. نقلُ حكمٍ ثابتٍ مشهورٍ عن أهله ليس فتوى، وإنّما هو حكايةٌ وأمانة. فمن قال: "الرِّبا محرَّمٌ في القرآن" فقد نقل نصًّا، لا أنشأ حكمًا.
وليس معناه أن تترك النصيحة. لك أن تقول لأخيك: "لا أنصحك بهذا"، و"هذا يضرّك"، و"اسأل قبل أن توقّع". وهذا كلامٌ صادقٌ لا يدّعي علمًا.
وليس معناه أن تتوقّف عن السؤال خوفًا من الغلط. الغلطُ في السؤال لا شيء، والغلطُ في الجواب هو الذي يُحسَب.
من الحياة
وصلت رسالةٌ في مجموعة العائلة: "تحذير: التعاملُ مع هذا التطبيق حرام." بلا اسم قائلٍ ولا دليل.
فأعاد شابٌّ إرسالها في ثوانٍ إلى ثلاث مجموعاتٍ أخرى. ثمّ سأله زميلٌ سؤالًا واحدًا: ومن قال هذا؟ فبحث نصفَ ساعةٍ ولم يجد أوّلَ الخبر.
فكتب في المجموعة سطرًا واحدًا: "أرسلتُ ما لم أتحقّق منه، فاعذروني." وهي كلمةٌ ثقيلةٌ على النفس، خفيفةٌ في الميزان.
ولا نقول هنا شيئًا في ذلك التطبيق: أهو داخلٌ في منعٍ أم لا. فذاك جوابٌ يُبنى على عقده وشروطه، ويُسأل عنه أهلُ العلم. الغرضُ من المشهد أنّ زرَّ الإرسال لا يُغيِّر طبيعةَ الكلمة: أنت الذي نقلتَ الدعوى، والذي قرأها حسِبها حكمًا.
ماذا يلزمني أنا؟
- اجعَلْ "لا أعرف" جوابًا كاملًا، لا اعترافًا بالنقص. وقد قالها من هم أعلمُ منّا جميعًا.
- ميِّزْ في كلامك بين ثلاثة: ما تنقله عن دليل، وما تنقله عن عالم، وما هو رأيُك أنت. وسمِّ كلَّ واحدٍ باسمه.
- لا تُنزِّل الحكم العامّ على شخصٍ بعينه. قل ما في الفعل، ودَعْ حالَ الرجل لمن يعرفها ويسأل عنها.
- تثبَّتْ قبل أن تعيد الإرسال. من قال هذا؟ ومتى؟ وفي أيّ صورةٍ من المسألة؟
- إذا كان في المسألة خلافٌ فقُلْ: فيها خلاف. ولا تختصر الطريق بحذف القول الآخر.
- راجِعْ نفسك في كلمتين تتكرّران: «حرام» في موضع الكراهة، و«حلال» في موضع عدم العلم.
- وإذا أخطأتَ فاستدرِكْ علنًا حيث أخطأتَ علنًا؛ فالتصحيحُ في المجموعة نفسِها لا في نفسك.
متى أحتاج إلى سؤال عالم؟
- إذا سُئلتَ عن حكمٍ ولم تجد جوابًا موثوقًا، فحوِّل السائل إلى من يُجيبه ولا تُجِبْه أنت.
- إذا أردتَ نقلَ حكمٍ إلى جمعٍ من الناس، فالنقلُ العامّ أثقلُ من الكلام مع صاحبك.
- إذا كان الأمرُ يتعلّق بمعيَّنٍ: عقدٍ وقّعتَه، أو مالٍ في يدك، أو رجلٍ تتّهمه.
- إذا اختلف من تثق بهم من أهل العلم، فاسأل عن سبب الخلاف قبل أن تنقل أحدَ القولين.
- إذا كنتَ في موضع قدوةٍ — معلّمًا أو أبًا أو صاحبَ منبرٍ رقميّ — فكلامُك يُنسَخ ويُنقَل، فتثبَّتْ مرّتين.
وصفحاتُ هذا الموقع تُلخِّص أجوبةً قائمةً في مصدرها وتُحيل إليها. فهي تُقرِّب لك الجواب، ولا تحلّ محلَّ سؤالِ عالمٍ في واقعتك.