ماذا أفعل إذا كنت لا أعرف حكم شيء؟
قِفْ قبل أن تُقدِم، ثمّ اسأل مَن تثق بعلمه. واذكُر له واقعتك بتفاصيلها لا باسمها العامّ. وإن تعدّدت الأجوبةُ عليك فانظر أوّلًا: هل أجاب كلٌّ منهم عن السؤال نفسِه بالتفاصيل نفسِها؟
لماذا يهمّني هذا في ديني؟
لأنّ الجهل بالحكم حالٌ طبيعيّةٌ تعرِض لكلّ أحد، وليست عيبًا في دينك. الأنبياءُ سُئلوا فانتظروا الوحي، والعلماءُ يقولون "لا أدري" في مواضع. والخطأُ ليس في أن تجهل، بل في أن تُقدِم وأنت جاهل.
وقد جاء النهيُ عن اتّباع ما لا علمَ لك به في سورة الإسراء: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۚ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]
ووجهُ الدلالة أنّ الإقدام على فعلٍ لا تعرف حكمَه مشيٌ في طريقٍ لم تنظر فيه. وقد جُعل لك طريقٌ آخر، بيّنَه الله في سورة النحل: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ ۚ فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]
فالسؤالُ هو الطريقُ الذي دلّ عليه القرآن، لا طريقًا اخترعناه. وفي السنّة موضعان يُرجَع إليهما في هذا الباب. أوّلُهما حديثُ صاحب الشَّجّة في الفتيا بغير علم، رواه أبو داود. والثاني حديثُ الحسن بن عليّ في ترك ما يُريب، رواه الترمذيّ والنسائيّ. فارجِع إليهما في مظانِّهما.
الفكرة ببساطة
المسارُ خمسُ خطوات، تمشيها في دقائق:
١. قُلْها لنفسك بصراحة: «أنا لا أعرف». أخطرُ ما في هذا الباب أن تُقنع نفسك بجوابٍ لم تسمعه من أحد. والإحساسُ بأنّ «الأمر عاديّ» ليس دليلًا شرعيًّا.
٢. هل أتوقّف؟ انظُر في ثلاثة أشياء: هل الوقتُ يتّسع؟ وهل الأثرُ يُرَدُّ لو أخطأت؟ وهل عليك ضررٌ في التأخير؟
| حالُ المسألة | ما يُناسبها |
|---|---|
| فعلٌ لم تدخل فيه بعدُ وأثرُه باقٍ: عقدٌ، أو مالٌ، أو التزام | التوقّف حتّى تسأل |
| فعلٌ يفوت وقتُه اليوم ولا يُستدرَك | السؤالُ العاجل، ولا تُنزِل على نفسك حكمًا من عندك |
| عبادةٌ حضر وقتُها وأشكل عليك تفصيلٌ فيها | سؤالٌ عاجلٌ عن التفصيل بعينه |
| أمرٌ لا أثرَ له ولا يفوت | التأنّي، واجمَعْه إلى أسئلتك |
٣. مَن أسأل؟ اقصِد مَن جمع ثلاثًا: علمٌ معروفُ المصدر، وأمانةٌ في النقل، ومعرفةٌ بواقع بلدك. والمعيارُ ليس شهرةَ المتحدّث ولا فصاحتَه.
٤. ماذا أذكر له؟ هذه الخطوةُ هي التي تُنقِذ الجواب. فالحكمُ يتغيّر بتغيّر الصورة، والاسمُ العامّ لا يكفي:
| ما تذكره | مثالٌ على العبارة | لماذا يهمّ |
|---|---|---|
| الواقعةُ نفسُها | «وقّعتُ» أو «سأوقّع» | الماضي غيرُ المستقبل في الجواب |
| الصورةُ التفصيليّة | نصُّ البند، والمبلغ، والمدّة | التفاصيلُ هي مناطُ الحكم |
| الأطرافُ والصفة | أنت مشترٍ أو ضامنٌ أو وكيل | صفتُك تُغيّر ما يلزمك |
| المكانُ والعُرف | البلد، والنظامُ المعمول به | العُرفُ يدخل في تصوير المسألة |
| حالُك الخاصّة | مرضٌ، أو دَينٌ، أو إكراه | الأعذارُ لها بابُها |
| ما فعلتَه فعلًا | لا ما كنت تنوي فعلَه | الجوابُ على الواقع لا على النيّة |
٥. ماذا لو تعدّدت الأجوبة؟ لا تبدأ بالترجيح؛ ابدأ بالمقارنة. اسأل: هل عرَضتُ على الثاني ما عرَضتُ على الأوّل؟ فكثيرٌ من «الخلاف» الذي يقع للناس سببُه اختلافُ السؤال لا اختلافُ العلماء.
فإن تبيّن أنّ السؤال واحدٌ والجوابين مختلفان، فهذا بابٌ له تفصيلٌ عند أهل العلم. وقد أُفرِد له حديثٌ مستقلّ في إذا اختلف شيخان في الحكم، من أتبع؟. والذي يُحسم هنا شيءٌ واحد: ليس المخرجُ أن تأخذ أخفَّ القولين لأنّه أخفُّ.
من الحياة
أرسل رجلٌ سؤالًا من سبع كلمات: «هل الشراء بالتقسيط حرام؟» فجاءه جوابٌ عامّ، فلم ينتفع به، فسأل غيرَه فجاءه جوابٌ آخر. فخرج يقول: العلماءُ مختلفون.
ولو نظرتَ في سؤاله لوجدتَه لم يذكر شيئًا. لم يقُل ما السلعة، ولا كم الثمنُ نقدًا وكم مقسَّطًا، ولا ما شرطُ التأخير، ولا مَن البائعُ ومَن المموِّل.
ثمّ أعاد كتابة سؤاله في عشرة أسطر: نصُّ العقد، والمبالغ، والمدّة، وما يقع عند التأخُّر عن القسط. فجاءه جوابٌ يُشبه حالَه، فيه تفصيلٌ وشرط.
لم يتغيّر العلم بين المرّتين. تغيّر السؤال. والمفتي يُجيب عمّا صُوِّر له، لا عمّا في رأسك.
ماذا يلزمني أنا؟
- افصِلْ بين «لا أعرف» و«لا بأس». الأولى صدقٌ يدفعك إلى السؤال، والثانية حكمٌ أصدرتَه على نفسك بلا علم.
- اكتُبْ سؤالك مكتوبًا، ولو لنفسك أوّلًا. الكتابةُ تكشف الفراغ الذي في تصوّرك.
- اذكُر الوقائع لا الأوصاف. قُل: "المبلغ كذا، والمدّة كذا"، لا: "مبلغٌ بسيطٌ ومدّةٌ قصيرة".
- لا تحذِفْ ما يُحرجك. الجوابُ مبنيٌّ على ما ذكَرتَ، فما كتمتَه لم يدخل فيه، وأنت الذي تحمل أثرَه.
- لا تسأل حتّى تجد الجواب الذي يُعجبك. تعدُّدُ السؤال لطلب البيان شيء، وتعدُّدُه لطلب الرخصة شيءٌ آخر.
- احتفِظْ بالجواب بنصّه وباسم مَن أجابك وتاريخه. فقد تحتاجه، وقد يتغيّر حالُك فتحتاج أن تسأل عن الفرق.
- وإن لم تجد جوابًا اليوم، فلا تُقدِمْ اليوم. التأجيلُ موقفٌ صحيحٌ لا تردُّد فيه.
متى أحتاج إلى سؤال عالم؟
المقالة تدلّك على الطريق، ولا تُغني عنه. والسؤالُ متعيَّنٌ في هذه المواضع خاصّة:
- كلُّ ما فيه مالٌ أو عقدٌ أو التزامٌ على غيرك: تمويلٌ، شراكةٌ، ضمان، بيعٌ بأجل.
- مسائلُ الأسرة: النكاح والطلاق والنفقة والميراث والوصيّة. أثرُها يمتدّ إلى غيرك.
- العبادةُ إذا مضى عليك زمنٌ على صفةٍ لا تدري صحّتَها. ما يُستدرَك وما لا يُستدرَك بابٌ لأهل العلم.
- الأعذارُ والضرورات: المرض، والإكراه، والعجز، والخوف على النفس أو المال.
- إذا كان جوابُك سيُنقَل إلى غيرك، فأنت حينئذٍ ناقلٌ لا سائل، والنقلُ أمانةٌ ثقيلة.
وهذا الموقع يُلخِّص أجوبةً قائمةً في مصدرها ويُحيل إليها. فإن لم تجد سؤالك فيه، فاطلُب جوابًا لواقعتك من أهل العلم.