إذا اختلف شيخان في الحكم، فمن أتّبع؟

فريق الفتوى التحريريحُدِّث في 5 سبتمبر 2026

اقرأ بعده

اتَّبِعْ من تَثِق بعلمه وأمانته، وصِفْ له حالك كاملة. ليس المطلوبُ منك أن تُرجِّح بين الأدلّة كما يفعل المجتهد. المطلوبُ أن تُحسِن اختيارَ من تسأل، وأن تستقرّ على جوابه، وأن تتعامل مع الخلاف بهدوء.

لماذا يهمّني هذا في ديني؟

الرجلُ يسمع جوابين فيقف حائرًا، ويسأل نفسه سؤالًا ثقيلًا: إن أخذتُ بأحدهما، أأكون آثمًا؟

وأصلُ الحيرة سوءُ فهمٍ لوظيفتك أنت. أنت لست قاضيًا بين العالِمَين، ولا مطلوبٌ منك أن تفتح كتب الأدلّة لتَزِنَها. قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ ۚ فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. فجعل فرضَ من لا يعلم أن يسأل من يعلم. وقرّر أهلُ العلم أنّ وظيفة العامّيّ هي السؤالُ والاتّباع، لا الترجيحُ بين المذاهب.

والتقليد في هذا الموضع ليس عيبًا ولا كسلًا. أنت تُقلِّد الطبيبَ في دوائك، والمهندسَ في بنائك، وأنت في دينك أحوجُ إلى أهل الاختصاص. وإنّما العيبُ أن تُقلِّد من لا يستحقّ أن يُقلَّد.

ثمّ إنّ الاختلاف نفسَه ليس شرًّا محضًا. مسائلُ الفروع تحتمل الوجهين، وأهلُ العلم اختلفوا فيها من عهد الصحابة، ولم يتقاطعوا. فإذا هدأ قلبُك من هذه الجهة، صار السؤالُ عمليًّا: كيف أختار؟

الفكرة ببساطة

قبل أن تختار، تثبَّت من شيءٍ واحد: هل الخلافُ حقيقيّ؟ كثيرًا ما يكون السؤالان مختلفَين في التفاصيل، فيأتي الجوابان مختلفَين وهما على أصلٍ واحد. اعرِض حالتك على كلٍّ منهما بالتفصيل نفسِه، ثمّ انظر.

فإن بقي الخلافُ قائمًا، فهذا ميزانُ الاختيار:

ما يُنظَر فيهما لا يُنظَر فيه
العلمُ بالباب الذي تسأل عنه خاصّةعددُ المتابعين وانتشارُ المقاطع
الأمانةُ والديانة، ومنها أن يقول "لا أدري"جمالُ الأداء وحرارةُ العبارة
معرفتُه بواقعك وعُرف بلدك وصورةِ معاملتكأن يكون الجوابُ أخفَّ على نفسك
أن يذكُر مستنَدَه إذا سألتَه عنهأن يكون أوّلَ ما ظهر لك في البحث
أن يستفصِل عن حالك قبل أن يحكُمأن يجزِم سريعًا بلا سؤال

انظر إلى العمود الأيمن وحده. كلُّه أوصافٌ في العالِم نفسِه، لا في الجواب. وهذا مقصودٌ: أنت لا تختار الجوابَ الذي يعجبك، بل تختار من تأخذ عنه، ثمّ تقبَل ما يقول.

وعملُك هذا اسمُه عند أهل العلم التقليد، وهو أن تأخذ بقول العالِم من غير أن تعرف دليله. ولذلك كان اختيارُ الرجل أهمَّ من اختيار الجواب. وقد جاء في ذهاب العلماء وتصدُّرِ من ليس بأهلٍ خبرٌ عند البخاريّ: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا، يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالاً فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» (رواه البخاري، رقم ١٠٠)

فموضعُ التحذير في الخبر ليس اختلافَ العلماء، بل أن يُسأل من ليس بعالم.

وإذا استوى عندك الرجلان في العلم والأمانة، فهذه مسألةٌ للأصوليّين فيها أقوال. ذكر بعضُ أهل العلم أنّ له التخيير بينهما، ورأى آخرون تقديمَ من يراه أعلمَ أو أوثق. والأعلمُ أوسعُهما علمًا بالباب ودليلِه، والأوثقُ أشدُّهما تحرّيًا فيما يقول. واختار قومٌ الأخذَ بالأحوط، وهو أن يأخذ بالقول الأبعدِ عن الوقوع في الممنوع. والترجيحُ بين هذه الأقوال ليس إلى هذه الصفحة؛ فاسأل عنه من تثق بعلمه.

وثَمَّ بابٌ يجب أن يُغلَق: أن تدور على المشايخ حتّى تجد من يوافق رغبتك. وهذا هو تتبُّع الرُّخَص، أي أن تنتقل بين الأقوال آخذًا في كلّ مسألةٍ بأخفِّها عليك. وقد حذّر منه كثيرٌ من أهل العلم. والفرقُ بينه وبين طلب العلم واضحٌ في نفسك أنت: هل تسأل لتعرف الحكم، أم لتشتري إذنًا؟

من الحياة

امرأةٌ سألت إمامَ مسجدها عن مسألةٍ في مالها، فأجابها. ثمّ سمعت بعد أيّامٍ مقطعًا قصيرًا لشيخٍ آخر يقول بخلافه، فاضطربت وتوقّفت عن العمل بالجوابين معًا.

ثمّ صنعت الصوابَ: عادت إلى إمامها وقالت له: سمعتُ كذا، فما وجهُه؟ فشرح لها أنّ المسألة فيها قولان، وأنّ الفرق راجعٌ إلى صورةٍ في المال لم تُذكَر في المقطع.

خرجت وهي أهدأُ ممّا دخلت. لم تكن حاجتُها إلى قولٍ ثالث، بل إلى أن تفهم لماذا اختلف القولان. والسؤالُ عن وجه القول أنفعُ من جمع الأقوال.

ماذا يلزمني أنا؟

  • اختَرْ عالِمًا واحدًا تثق به في مسألتك، واستقرَّ عليه. كثرةُ التنقّل بين الأجوبة تُتعِب القلبَ ولا تزيد علمًا.
  • صِفْ حالك كاملةً، ولو كان في التفصيل ما لا يسرّك. الجوابُ يتغيّر بتغيّر ما تحكيه.
  • إن سمعتَ قولًا يخالف ما أُفتيتَ به، فاسأل عنه شيخَك نفسَه. لا تحمِلْه على أنّ أحدهما مخطئ.
  • لا تُلزِم غيرك بمن اخترتَ. ومن أخذ بقولٍ معتبَرٍ عن عالمٍ ثقةٍ فليس محلًّا للإنكار.
  • لا تنقُل الفتوى لغيرك على أنّها حكمٌ عامّ. أُفتيتَ في حالك أنت، وحالُ صاحبك غيرُ حالك.
  • إن تبيّن لك يقينًا أنّ ما أخذتَ به مبنيٌّ على وصفٍ ناقصٍ منك، فارجِع واسأل من جديد.

متى أحتاج إلى سؤال عالم؟

  • في كلّ مسألةٍ تخصّك أنت. المقالةُ تشرح لك كيف تتصرّف عند الخلاف، ولا تحكُم في نازلتك.
  • إذا تعلّق الأمرُ بحقوق الناس: الطلاقِ والميراثِ والأموال والعقود. هذه أبوابٌ لا يُكتفى فيها بقراءةٍ عامّة.
  • إذا كنت مُقبِلًا على عبادةٍ يترتّب على الخطأ فيها إعادة، أو على عقدٍ يترتّب عليه التزام.
  • إذا وجدت فتوى على الإنترنت تُشبِه حالك، فاعرِضها على عالمٍ يعرف تفاصيلك قبل أن تعمل بها.

وهذا الموقعُ يُرتِّب ويُلخِّص ويُحيل، ولا يُفتي.

يتّصل به