من هو المفتي؟ ومن يحقّ له أن يفتي؟
المفتي عالمٌ تأهّل بأدوات النظر في الأدلّة، وعُرِف بين أهل العلم بأهليّته، فأجاب عن حكم الشرع في واقعةٍ نزلت. والشهرةُ ليست أهليّة، ولا البلاغةُ، ولا حُسنُ النيّة. فقبل أن تأخذ الجواب، اسأل: عمّن أخذ هذا المتكلّم؟
لماذا يهمّني هذا في ديني؟
أنت لا تسأل لتعرف فحسب؛ أنت تسأل لتعمل. والجوابُ الذي تأخذه اليوم يصير غدًا عقدًا وقّعتَه، أو مالًا أنفقتَه، أو بيتًا بنيتَه على أساسه.
ولذلك كان الغلطُ في هذا الباب غلطًا مضاعفًا: على مَن أجاب، وعلى مَن عمِل بالجواب. وقد أمر الله بردّ ما لا يعلمه الإنسان إلى أهله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ ۚ فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]
فمَن لا يعلم مأمورٌ بأن يسأل، وفي الأمّة أهلُ ذِكرٍ يُسألون. ونهى سبحانه أن يُقال في الحلال والحرام بغير علم: ﴿وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلَـٰلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦]
وجاء في الحديث خبرٌ عمّا يقع حين يقلّ العلماء ويكثر المتصدّرون: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا، يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالاً فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» (رواه البخاري، رقم ١٠٠)
الفكرة ببساطة
ليس كلُّ مَن تكلّم في الدين مفتيًا. في مجالس المسلمين أصنافٌ، لكلٍّ منها عملُه وموضعُه ونفعُه. والخلطُ بينها هو أصلُ الغلط في هذا الباب.
أصنافٌ يقع فيها الاشتباه
| مَن هو | ما الذي يُحسِنه | وما لا يلزم منه |
|---|---|---|
| الواعظ | تذكيرُ القلوب وترقيقُها وحملُ الناس على الخير | لا يلزم من حُسن الموعظة أهليّةُ النظر في النوازل |
| الداعية | تعريفُ الناس بالإسلام ودعوتُهم إليه | الدعوةُ بابٌ، وتنزيلُ الحكم على واقعةٍ بابٌ آخر |
| طالب العلم | يقرأ ويحفظ ويسأل شيوخَه ويضبط المسائل | هو في طَور الأخذ، والأخذُ غيرُ العطاء |
| الباحث | جمعُ الأقوال وترتيبُها وعزوُها إلى كتبها | جمعُ الأقوال غيرُ ترجيحها وتنزيلها على حالِ سائل |
| الخطيب والإمام | إقامةُ الصلاة وخطبةُ الجمعة وتعليمُ العامّة | الإمامةُ وظيفةٌ في المسجد، لا شهادةٌ في الفقه |
| المشهور بالكلام في الدين | حُسنُ البيان وسَعةُ الانتشار | الشهرةُ أثرٌ في الناس، وليست ميزانًا للعلم |
| المفتي | النظرُ في الدليل، وتصويرُ الواقعة، ثمّ الجواب عنها | — |
وليس في هذا تنقُّصٌ لأحد. الواعظُ ينفع حيث لا ينفع البحث، والباحثُ يخدم العلمَ خدمةً جليلة. وإنّما المقصود أن تعرف أيَّ بابٍ تطرُق.
بمَ يُعرَف أهلُ الفتوى؟
ذكر أهلُ العلم للمفتي أوصافًا يدور عليها الأمر، وأشهرُها:
- علمٌ بالنصوص: كتابُ الله وسنّةُ رسوله ﷺ، ومعرفةُ ما يخصّ منها العامَّ ويقيّد المطلق.
- أصولُ الفقه: وهي صنعةُ استخراج الحكم من الدليل، لا مجرّدُ حفظ الأدلّة.
- اللغةُ العربيّة: فالنصُّ عربيٌّ، ودقّةُ الفهم فرعٌ عن دقّة اللسان.
- معرفةُ الخلاف والإجماع: لئلّا يظنّ المتّفَقَ عليه خلافًا، ولا الخلافَ اتّفاقًا.
- فقهُ الواقعة: والحكمُ على الشيء فرعٌ عن تصوّره؛ فمَن لم يفهم العقدَ لم يحكُم عليه.
- الوَرَعُ والخشية: وهذه ليست زينةً تُضاف؛ هي التي تحبِس اللسانَ عند حدّ العلم.
ثمّ إنّ الأهليّة تُعرَف ولا تُدَّعى. تُعرَف بالتلقّي عن الشيوخ، وبالإجازة، وبتزكية أهل العلم، وبالانتساب إلى دار إفتاءٍ أو هيئةٍ معروفة. وهذه أماراتٌ يتناقلها أهلُ البلد ويعرفونها. والفتوى ليست بابًا يفتحه المرءُ لنفسه.
من الحياة
كتب شابٌّ في مجموعةٍ على هاتفه: عُرِض عليّ تمويلٌ لشراء سيارة، فما رأيكم؟
فجاءه الجوابُ بعد دقيقتين من ابن عمّه: امضِ، الناسُ كلُّهم يفعلون هذا.
ثمّ عرَض السؤالَ نفسه على مفتٍ في دار الإفتاء. فلم يُجِبْه في مجلسه، بل قال: أرسِلْ لي نسخةَ العقد. ثمّ سأله: ما اسمُ المنتَج؟ ومَن يملك السيارةَ قبل أن تُباع إليك؟ وما الذي يلزمك إن تأخّرتَ عن قسط؟
ولن نذكر هنا ما كان الجواب، فذاك يختلف باختلاف بنود العقد. والذي يُذكَر هو الفرقُ بين مَن يُجيب في دقيقتين، ومَن يطلب الورقة قبل أن يتكلّم.
ماذا يلزمني أنا؟
- اسأل عن الأهليّة قبل أن تأخذ الجواب: عمّن أخذ هذا المتكلّم؟ ومَن يعرفه من أهل العلم؟
- لا تجعل الشهرة دليلًا. عددُ المتابعين رقمٌ، وليس شهادةً في الفقه.
- افصِل بين الإعجاب والاتّباع. أن يُعجبك كلامُ رجلٍ شيء، وأن تُنزِل قولَه على مالك وأهلك شيءٌ آخر.
- إذا نقلتَ جوابًا فانسُبه. قل: سُئل الشيخُ فلانٌ عن هذه الصورة فأجاب بكذا. ولا تجعله حكمًا عامًّا للناس.
- اقصِد الجهةَ المعروفة في بلدك: دارَ الإفتاء، أو المجمعَ الفقهيّ، أو العالمَ المشهودَ له بين أهل العلم.
- وإذا سُئلتَ أنت ولم تعلم، فقل: لا أعلم. هذه كلمةُ أهل العلم قبل أن تكون كلمةَ غيرهم.
متى أحتاج إلى سؤال عالم؟
- كلّما نزلت بك واقعةٌ بعينها، ولا سيّما في المال والأسرة والعبادة المتكرّرة.
- إذا كان ما بيدك مأخوذًا من مقطعٍ قصيرٍ لا تعرف قائله ولا مصدره.
- إذا تعلّق بالمسألة حقٌّ لمخلوق: شريكٍ، أو زوجة، أو دائن، أو ورثة.
- إذا اختلفت عليك الأجوبةُ ولم تعرف من أين جاء الاختلاف.
- إذا انتقلت إلى بلدٍ يختلف عرفُه وأنظمتُه عمّا نشأتَ عليه.
وهذا الموقعُ يُرتِّب ويُلخِّص ويُحيل، ولا يُفتي. فما تقرؤه هنا دليلٌ إلى الجواب، لا جوابٌ في حالك أنت.