ما هي الفتوى ببساطة؟
الفتوى جوابُ مَن له أهليّةُ البيان عن حكم الشرع في واقعةٍ بعينها. وصورتُها: إنسانٌ نزلت به نازلة، فسأل عالمًا، فأخبره بحكم الله فيها. وهي إخبارٌ لا إلزام، ومبناها على ما عُرِض على المفتي.
لماذا يهمّني هذا في ديني؟
لأنّك ستحتاجها. لا يمرّ عامٌ على إنسانٍ إلّا وتعرِض له مسألةٌ لا يعرف حكمَها: في مالِه، أو بيته، أو عمله، أو عبادته. فمعرفةُ ما هي الفتوى تُوفّر عليك أن تسأل خطأً، أو أن تحمل الجوابَ على غير وجهه.
والكلمةُ نفسُها قرآنيّة. جاء لفظُ الاستفتاء وجوابُه في آية الكلالة من سورة النساء [النساء: ١٧٦].
وجاء لفظُ الاستفتاء أيضًا في آيةٍ من السورة نفسِها، في شأن النساء [النساء: ١٢٧].
فالصورةُ في الآيتين ثابتةٌ لا تتغيّر: قومٌ يسألون، وجوابٌ يأتيهم من الله على لسان نبيّه. وبقيت الصورةُ بعده: سائلٌ ومسؤولٌ من أهل العلم، والجوابُ خبرٌ عن حكم الله.
ومن هنا كان أثقلُ ما في الباب أنّ المفتي يوقّع عن ربّ العالمين. فهو لا يُنشئ حكمًا من عنده، بل يُبلِّغ ما فهمه من الأدلّة. ولذلك كان الغلطُ فيها غلطًا على الله، لا على السائل وحده.
الفكرة ببساطة
الفتوى ثلاثةُ أطراف، لا يستقيم الجوابُ إلّا بها: واقعةٌ نزلت، وسائلٌ يريد حكمَ الله فيها، وعالمٌ له أهليّةُ البيان. فإن سقط طرفٌ منها لم يبقَ الاسم.
وهنا فرقٌ لا بدّ منه: بين الحكم الشرعيّ والفتوى. الحكمُ هو خطابُ الشرع الثابت، والفتوى تنزيلُ ذلك الحكم على واقعةٍ بعينها. فالحكمُ لا يتغيّر، والفتوى قد تختلف باختلاف الصورة التي عُرِضت.
| الفتوى تفعل هذا | ولا تفعل هذا |
|---|---|
| تُخبِرك بحكم الشرع في الصورة التي عرَضتَها | لا تُنشئ حكمًا جديدًا ولا تُغيّر حكمَ الله |
| تُبيّن ما يلزمك وما يسعُك في حالك | لا تُلزِمك إلزامَ القضاء ولا تُنفَّذ عليك |
| تُنزِّل الأصلَ العامَّ على واقعتك أنت | لا تصلُح لواقعةٍ أخرى تختلف تفاصيلُها |
| تُبنى على ما ذكرتَه من التفاصيل | لا تُصحِّح ما كتمتَه أو أخطأتَ في وصفه |
| تدلُّك على ما تُعذَر به إذا صدقتَ في سؤالك | لا تحكُم بين خصمين ولا تُثبِت حقًّا لأحدٍ على أحد |
وثَمَّ خلطٌ ثالثٌ شائع: ليس كلُّ كلامٍ دينيٍّ فتوى. الموعظةُ ليست فتوى، وتفسيرُ آيةٍ ليس فتوى، والحديثُ عن حكمة تشريعٍ ليس فتوى، والرأيُ الشخصيُّ ليس فتوى. الفتوى جوابٌ عن سؤالٍ في حكمٍ شرعيٍّ لواقعة، يصدر عمّن يملك أدواتِ النظر فيها.
ثمّ إنّ الفتوى تُبنى على تصويرك أنت. فالمفتي لا يرى عقدَك ولا يعرف حالك، وإنّما يرى الصورةَ التي رسمتَها له بكلماتك. فإن نقصت الصورةُ نقص الجواب، وأنت الذي تحمل أثرَه.
من الحياة
اختلف أخوان في تركة أبيهما. أحدُهما يقول: الورقةُ التي بيدي تُثبت أنّ الأرض لي، والآخر يقول: بل هي من التركة.
فذهبا إلى عالمٍ يسألانه. فبيّن لهما ما يقوله الشرع في الصورتين. إن كانت الأرضُ مِلكًا مستقرًّا للأوّل فحكمُها كذا، وإن كانت من التركة فحكمُها كذا. ثمّ قال لهما كلمةً واحدةً حسمت الموقف: "أمّا مَن يملك الأرضَ في الواقع، فهذا لا أفصل فيه أنا. هذا بابُ القضاء والبيّنات."
وهذا هو الحدُّ بين البابين. الفتوى تُخبِرك بالحكم على تقديرٍ ذكرتَه، والقضاءُ يُثبِت الوقائع ويُلزِم الخصم. ومَن حمَل الفتوى محملَ الحُكم فقد وضعها في غير موضعها.
ولسنا نذكر هنا حكمَ تلك الأرض، ولا نصيبَ أحدٍ من الأخوين. فذاك ما لا يُقال إلّا بعد نظرٍ في الأوراق والحال.
ماذا يلزمني أنا؟
- اطلُب الفتوى في واقعةٍ حقيقيّة، لا في افتراضاتٍ عامّة. السؤالُ المجرَّد يأتيك بجوابٍ مجرَّد لا ينفعك.
- صوِّر مسألتك كاملةً، بالمبالغ والشروط والزمن والمكان. الجوابُ ابنُ الصورة.
- افهَمْ حدودَ الجواب. الفتوى التي وصلتك عن حالك أنت في وقتها، لا عن حال جارك ولا عن كلّ زمان.
- لا تنقُل فتوى غيرك إلى نفسك، ولا فتواك إلى غيرك، إلّا بعد أن تتأكّد أنّ الصورتين واحدة.
- افصِلْ بين الفتوى والقضاء. إذا كان معك خصمٌ ومنازعةٌ في حقّ، فبابُك المحكمةُ لا المجلس.
- إذا تغيّر حالُك فأعِدِ السؤال. الفتوى بُنيت على صورةٍ، فإن تبدّلت الصورةُ فقد تبدّل الجواب.
- لا تجعل الفتوى بديلًا عن التقوى. أن يُقال لك «يجوز» ليس آخرَ ما في المسألة، وقد يبقى في نفسك شيءٌ يستحقّ أن تسأل عنه.
متى أحتاج إلى سؤال عالم؟
- كلَّما نزلت بك واقعةٌ معيّنةٌ لا تعرف حكمَها، وخاصّةً في المال والأسرة والعبادات المتكرّرة.
- إذا قرأتَ جوابًا عامًّا وشككتَ في انطباقه عليك. الشكُّ في الانطباق سببٌ كافٍ للسؤال.
- إذا كان في المسألة اجتهادٌ وخلافٌ بين أهل العلم، فلا تُرجِّح بنفسك بين قولين.
- إذا كان في الأمر خصومةٌ أو حقٌّ لمخلوق، فالفتوى وحدها لا تكفي؛ ولا بدّ من الجهة التي تفصل.
- إذا مضى زمنٌ على فتوى أخذتَها وتغيّرت ظروفُك أو ظروفُ المعاملة.
وهذا الموقع يُرتِّب أجوبةً مُلخَّصةً من مصدرها ويُحيل إليها؛ فهو دليلٌ إلى الجواب، ولا يقوم مقام سؤالِ عالمٍ في واقعتك.