كيف أسأل سؤالًا شرعيًّا على وجهه؟
احكِ الواقعة كما وقعت، لا كما تتمنّاها. قُلْ ما فعلتَ ومتى وأين، وبأيّ لفظٍ تكلّمت، وما الذي في العقد. والتفاصيلُ التي تحذفها هي التي كانت ستُغيِّر الجواب.
لماذا يهمّني هذا في ديني؟
تكتب سؤالك في ثلاثة أسطرٍ قبل النوم، وترسله. فيأتيك جوابٌ قصيرٌ في الصباح، فتعمل به. ثمّ تكتشف بعد شهرين أنّ في واقعتك وصفًا لم تذكُره، وأنّ الجواب كان عن غير حالك.
ولم يُخطئ المُجيب. هو أجاب عمّا سمِع، لا عمّا في نفسك. والسؤالُ نصفُ الجواب، وأنت الذي تُمسِك بهذا النصف.
وقد أمر الله بسؤال أهل العلم عند الجهل: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ ۚ فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]
فالسؤالُ عبادةٌ وأمانةٌ معًا: عبادةٌ لأنّك تطلُب مراد الله، وأمانةٌ لأنّ الجواب سيُبنى على خبرك أنت.
الفكرة ببساطة
في كلام أهل النظر قاعدةٌ تُختصر بها هذه الصفحة كلُّها: الحكمُ على الشيء فرعٌ عن تصوّره. أي أنّك لا تحكُم على شيءٍ حتّى تعرف حقيقته أوّلًا.
فالمفتي لا يملك من واقعتك إلّا ما تُعطيه. فإن أعطيتَه صورةً ناقصة، حكَم على الصورة الناقصة، وكان الخللُ في المُدخَل لا في المُخرَج. ولذلك أفرد أهلُ العلم للاستفتاء بابًا مستقلًّا في كتبهم، من أشهره «آداب الفتوى والمفتي والمستفتي» للإمام النوويّ.
سبعةٌ يحملها السؤالُ التامّ
| ما تذكره في سؤالك | لماذا يُغيِّر الجواب |
|---|---|
| الفعلُ نفسه بدقّة | «أخذتُ» غيرُ «اقترضتُ» غيرُ «اشتريتُ»، والاسمُ يُغيِّر بابَ المسألة |
| اللفظُ الذي جرى بنصّه | في الأيمان والنذور والبيوع يتعلّق النظرُ باللفظ الواقع، لا بمعناه في نفسك |
| الزمانُ والترتيب | أيُّهما وقع قبل الآخر؟ فالترتيبُ قد يُغيِّر الأثر |
| بنودُ العقد لا اسمُه | العقودُ تُقرأ بشروطها، والاسمُ الواحدُ قد يُخفي عقدين مختلفين |
| البلدُ والعُرف | العُرفُ داخلٌ في تصوير كثيرٍ من المعاملات وفي معاني الألفاظ |
| حالُك: صحّةً وقدرةً ومالًا | كثيرٌ من الأحكام معلَّقٌ بالقدرة والاستطاعة |
| ما سبق من سؤالٍ أو عمل | الجوابُ لا يُبنى على فراغ، وقد يترتّب على ما مضى أثرٌ في الحاضر |
ثلاثةُ أسئلةٍ يظنّها الناسُ سؤالًا واحدًا
- سؤالُ الحكم العامّ: ما حكمُ هذا الأمر في الجملة؟ جوابُه مبسوطٌ في كتب أهل العلم وصفحاتهم.
- سؤالُ الاستفتاء: ماذا يلزمني أنا في هذه الواقعة بعينها؟ جوابُه من مفتٍ عرَف حالك.
- سؤالُ المشورة: أيُّ الخيارين أنفعُ لي في دنياي؟ وهذا ليس استفتاءً أصلًا، وإن خُلِط به كثيرًا.
فإذا خلطت الثلاثة في رسالةٍ واحدة، جاءك جوابٌ مخلوط. وحرِّرْ ما تريد قبل أن تكتب: أتسأل عن الحكم، أم عن نفسك، أم عن الأصلح لك؟
ما لا يعنيه تحريرُ السؤال
الأوّل: ليس معناه أن تكتب سيرتك كلَّها. المطلوبُ الوصفُ المؤثِّر في الحكم، لا كلُّ ما جرى لك في الشهر.
الثاني: ليس معناه أن تُتقِن الاصطلاحات. احكِ بلغتك التي تعرفها، ودَعِ التسميةَ الفقهيّة للمفتي. فتسميةُ المسألة جزءٌ من عمله لا من عملك.
الثالث: ليس معناه أن تصوغ السؤال صياغةً تجرّ الجواب. فالسائلُ الذي يقول: "أليس هذا جائزًا وقد فعله الناس؟" قد أجاب نفسه وسأل مجاملة.
من الحياة
كتب رجلٌ رسالةً في ثلاثة أسطر: عندي مالٌ في صندوق العمل، فهل آخذ منه؟ فجاءه جوابٌ عامٌّ في سطرين، وعمِل به.
ثمّ جلس بعد شهر يكتب السؤال من جديد. فذكر نوع الصندوق، ومن أين يأتي المال. وهل يُقتطَع من راتبه أم يتبرّع به صاحبُ العمل. وما نصُّ اللائحة، وفي أيّ بلدٍ هو.
فصار السؤالُ صفحةً بعد أن كان ثلاثة أسطر. وجاءه جوابٌ مبنيٌّ على حاله هو، وفيه استفصالان سأله المفتي عنهما قبل أن يُجيب.
فقال لصاحبه بعدها كلمةً واحدة: كنتُ أظنّني أسأل، وإنّما كنتُ أختصر.
ماذا يلزمني أنا؟
- اكتب السؤال أوّلًا لنفسك. ثمّ اقرأه كأنّك المفتي، واسأل: أيكفيني هذا لأحكُم؟
- لا تحذف ما يَثقُل عليك ذكرُه. فالوصفُ الذي تُخفيه هو غالبًا الوصفُ الذي يدور عليه الحكم.
- انقُل الألفاظ والبنود بنصّها. انسَخ بند العقد كما هو، واذكر اللفظ الذي نطقتَ به بحروفه.
- اذكُر بلدك وعُرف الناس فيه. فالعبارةُ الواحدة تختلف دلالتُها بين سوقٍ وسوق.
- اسأل عن نفسك بصيغة نفسك. ولا تسأل عن «رجلٍ» وأنت تعني نفسك، فيضيع نصفُ التصوير.
- إن استفصل المفتي فأجِبْ بدقّة. ولا تقُل: هذا لا يهمّ. هو الذي يعرف ما يهمّ.
- اسأل واحدًا واصبر على جوابه. ولا تُرسِل السؤال إلى خمسةٍ في ليلةٍ واحدة.
متى أحتاج إلى سؤال عالم؟
- إذا كان الجوابُ سيَنزِل على واقعتك أنت، لا على صورةٍ عامّةٍ تقرأها.
- إذا كنت مُقبِلًا على عقدٍ أو مالٍ أو زواجٍ أو طلاقٍ أو يمين.
- إذا نطقت بلفظٍ يترتّب عليه أثر، ولم تعرف ما يترتّب عليه.
- إذا قرأت جوابًا عامًّا ولم تدرِ: أينطبق عليّ أم لا؟
- إذا تغيّرت حالُك بعد جوابٍ أخذته، فالسؤالُ يُعاد بحاله الجديدة.
وهذا الموقعُ يُرتِّب ويُلخِّص ويُحيل، ولا يُفتي.