لماذا يسأل الإسلام عن مصدر المال لا مقداره؟
المالُ في الشرع يُسأل عنه من جهتين: من أين جاء، وفيمَ ذهب. والمقدارُ لا يُطيّب مكسبًا خبيثًا. والقليلُ الطيّبُ خيرٌ من الكثير الذي في أصله حقُّ إنسان.
لماذا يهمّني هذا في ديني؟
يقيس كثيرٌ من الناس المالَ بمقياسٍ واحد: كم هو؟ والشرعُ يزيد سؤالًا قبله: من أين هو؟
فالمالُ عنده وسيلةٌ لا غاية. وهو نعمةٌ إذا طاب مدخلُه ومخرجُه، ووبالٌ إذا دخل من بابٍ مغلق. والأمرُ في القرآن معلَّقٌ بوصفين معًا: الحِلُّ والطِّيب: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُوا۟ مِمَّا فِى ٱلْأَرْضِ حَلَـٰلًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨]
فالحلالُ ما أذِن فيه الشرع، والطيّبُ ما سلِم في نفسه وفي طريقه. ولم يجعل الله المدارَ على مقدارٍ يبلغه صاحبُه، بل على وجهٍ يأتيه منه.
ثمّ قرن سبحانه بين طِيب المطعم وصلاح العمل في خطابه للرسل: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُوا۟ مِنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَٱعْمَلُوا۟ صَـٰلِحًا ۖ إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]
وجاء النهيُ صريحًا عن أخذ أموال الناس بالباطل، ولو كان الأخذ بحكمٍ من قاضٍ ظاهرُه العدل: ﴿وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ وَتُدْلُوا۟ بِهَآ إِلَى ٱلْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا۟ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨]
وهذا هو المعنى الذي يُتعب النفس: أن يكون المالُ بيدك، والورقةُ في جيبك، والحقُّ في الحقيقة لغيرك.
الفكرة ببساطة
سؤالُ المصدر يُجاب في خطوتين: أن تعرف الأبواب التي يدخل منها المال، ثمّ أن تعرف نوعَي المنع وأثرَ كلٍّ منهما.
من أين يدخل المال؟
قبل الكلام في الممنوع، انظُر في المأذون فيه. فالأبوابُ التي يذكرها الفقهاء للكسب معدودةٌ واضحة:
- البيع: عوضٌ بعوض، ومِلكٌ ينتقل، وضمانٌ يتبعه.
- الإجارة: منفعةٌ بأجر. ومنها عملُك ووقتُك وكِراءُ ما تملك.
- الشركة والمضاربة: مالٌ وعمل، يشتركان في الربح ويتحمّلان الخسارة.
- الصناعة والزراعة: أن تُنشئ شيئًا لم يكن، فيكون لك.
- ما يدخل بغير عوض: الميراثُ والهبةُ والوصيّةُ والعطيّة.
فهذه أبوابٌ مفتوحةٌ واسعة. وما وراءها من الأخذ بغير حقٍّ هو الذي يُسأل عنه.
نوعان من المال الممنوع
فرّق الفقهاء بين نوعين من المال الممنوع، والفرقُ بينهما عمليٌّ لا نظريّ.
الأوّل: ما حرُم لعينه. أي أنّ ذاته هي الممنوعة، كالخمر والميتة ولحم الخنزير. فهذه لا يُغيّرها عقدٌ ولا نيّة.
الثاني: ما حرُم لطريق كسبه. والمالُ نفسُه طيّبٌ، كورقةٍ نقديّةٍ أو سلعة. وإنّما جاء الخللُ من الطريق: غصبٌ، أو سرقة، أو غشّ، أو أكلٌ بالباطل، أو عقدٌ فاسد.
جدولُ الفرق
| نوعُ المنع | صورتُه عند الفقهاء | إلى أين يتّجه العلاج |
|---|---|---|
| محرَّمٌ لعينه | الخمرُ والميتةُ ولحمُ الخنزير | يُترَك، ولا يصير مالًا بشراءٍ ولا هبة |
| محرَّمٌ لكسبه، وفيه حقُّ آدميّ | مالٌ مغصوب، أو مأخوذٌ بغشٍّ أو تدليس | ردُّ الحقّ إلى صاحبه أو ورثته |
| محرَّمٌ لكسبه، والخللُ في العقد | ما جاء من رِبًا أو ميسر | تركُ العقد، والتخلّصُ على ما يُبيّنه المفتي |
| مالٌ مختلط | دخلٌ فيه طيّبٌ وفيه ما لا يُعرَف بابُه | تُسأل حالتُك بعينها؛ للفقهاء فيها تفصيل |
والقاعدةُ التي تنبني عليها هذه الفروق مشهورةٌ عند أهل العلم: حقوقُ العباد مبناها على المشاحّة. فالتوبةُ من مالٍ أُخِذ من إنسانٍ لا تتمّ بالندم وحده، بل بردِّه إلى صاحبه أو استحلاله منه.
ولهذا قدّم أهلُ العلم ردَّ الحقّ على التصدّق به. فالمظلومُ صاحبُ حقٍّ معيَّن، ولا يُنقَل حقُّه إلى غيره بغير إذنه.
ما لا يعنيه هذا
- لا يعني ذمَّ الغنى. المالُ في الشرع خيرٌ إذا طاب مدخلُه ومخرجُه؛ وقد أثنى الله على مالٍ يُنفَق في وجهه.
- لا يعني أنّ الفقر فضيلةٌ بنفسه. المطلوبُ الكسبُ الطيّب لا العجزُ عن الكسب.
- لا يعني أن تُفتّش في أموال الناس. المعاملةُ تجري على الظاهر، والأصلُ في أموال المسلمين الحلّ.
- لا يعني أنّ الصدقة تُصلح الأصل. مَن أخذ حقَّ إنسانٍ فطريقُه ردُّه، لا التبرّعُ به إلى غيره.
- لا يعني أنّ كلّ مالٍ فيه شبهةٌ يُتلَف. الإتلافُ إضاعةُ مال، ومصرفُ المال المشتبه يُسأل عنه أهلُه.
من الحياة
عُرِض على شابٍّ عملان في أسبوعٍ واحد. الأوّلُ راتبُه أعلى بالثلث، وعنوانُ الوظيفة فيه غامضٌ لا يدلّ على شيء. والثاني أقلُّ، وعملُه معلومٌ محدَّد.
فسأل صاحبَ العرض الأوّل سؤالًا واحدًا: ماذا أصنع في يومي؟ وما الذي أُوقّعه باسم الشركة؟
فجاءه جوابٌ فيه كلامٌ كثيرٌ عن الفرص، وليس فيه وصفٌ لعمل. فأعاد السؤال مكتوبًا، فتأخّر الجواب.
فأخذ العملَ الآخر، وهو يعلم أنّ في جيبه أقلَّ ممّا كان يمكن. وكان أوّلَ من نام تلك الليلة في بيته.
ماذا يلزمني أنا؟
- اعرف وصفَ عملك قبل راتبك. ما لا تستطيع أن تصفه لأهلك في جملةٍ يحتاج إلى سؤال.
- اسأل عن الباب مرّةً واحدة. دخلُك المتكرّر يستحقّ سؤالًا محرَّرًا، لا وسوسةً كلَّ شهر.
- افصل بين مالٍ فيه حقُّ إنسانٍ معيَّن وبين غيره. الأوّلُ لا يُنهيه إلّا الردُّ أو المسامحة.
- إذا أخذتَ ما ليس لك، فابدأ بالردّ. واجعل الاعتذارَ والتصدّقَ بعده لا قبله.
- لا تحكُم على مال غيرك. ضِيافةُ الناس وهداياهم تجري على الظاهر ما لم تعلم خلافه.
- راجع مصادر دخلك في السنة مرّة. ورقةٌ واحدة: من أين يدخل المال، وبأيّ عقد.
- وإذا اشتبه عليك بابٌ فتوقّف عنده واسأل. التوقّفُ عند المشتبه أرخصُ من الخروج منه بعد سنوات.
متى أحتاج إلى سؤال عالم؟
- إذا كان دخلُك مختلطًا، أو كانت الشركةُ تعمل في أنشطةٍ متعدّدة لا تعرف حكم بعضها.
- إذا جاءتك عمولةٌ أو هديّةٌ بسبب وظيفتك، أو مقابل توقيعٍ أو توصية.
- إذا ورثتَ مالًا أو محلًّا وفي أصله ما تشتبه فيه.
- إذا أردت التخلّص من مالٍ عرفتَ أنّه دخل عليك من بابٍ ممنوع.
- إذا كان صاحبُ الحقّ مجهولًا أو ميّتًا أو تعذّر الوصولُ إليه.
- إذا كنت في بلدٍ تختلف أنظمتُه وعقودُه عمّا نشأتَ عليه.
وهذا الموقع يُرتّب ويُلخّص ويُحيل، ولا يُفتي. ومصدرُ مالك يُسأل عنه أهلُ العلم بتفصيله لا بعنوانه.