الرِّشوة والعمولة والهديّة للموظّف: كيف أفرّق؟
ثلاثةُ أسماءٍ يُخلَط بينها. الرِّشوة عرّفها الفقهاءُ بما يُبذَل لإبطال حقٍّ أو إحقاق باطل. والعمولة أجرٌ على عملٍ معلومٍ يعلمه صاحبُ الشأن. والهديّة تمليكٌ بلا عوض. ومدارُ الفرق على سبب الدفع وموقعِ الآخذ.
لماذا يهمّني هذا في ديني؟
تجد على مكتبك ظرفًا صغيرًا، أو علبةً مغلَّفة، أو رسالةً فيها رقمُ تحويل.
والذي أرسلها يعرف اسمك ويعرف عملك. ولولا عملُك ما عرف اسمك.
فليست المسألةُ مسألةَ مالٍ فحسب. هي مسألةُ أمانةٍ في ولايةٍ صغيرة: بيدك قرارٌ يقع على غيرك.
وقد نهى القرآنُ عن أكل أموال الناس بالباطل، وذكر معه طريقًا بعينه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ وَتُدْلُوا۟ بِهَآ إِلَى ٱلْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا۟ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨]
فالمالُ لم يُذكَر وحده في الآية؛ ذُكِر معه البابُ الذي يُدخَل منه إلى حقّ الغير.
وفي السنّة موضعٌ في الرَّاشي والمُرتشي (سنن الترمذي، رقم ١٣٣٧)
وليس كلُّ مالٍ يُدفَع حول العمل داخلًا في هذا الباب. ولذلك احتاج الأمرُ إلى تفريقٍ قبل أن يُسأل عن الحكم.
الفكرة ببساطة
ثلاثةُ أسماءٍ وبابان يُذكَران معها
- الرِّشوة: ما يُبذَل لإبطال حقٍّ أو إحقاق باطل، أو ليُقدَّم صاحبُه على من هو أحقُّ منه.
- العمولة (السَّمسرة): عِوَضٌ على وساطةٍ أو عملٍ معلوم. وأصلُها عند الفقهاء في باب الجَعالة والوَكالة، ويدور الكلامُ فيها على العلم بها ومقدارِها.
- الهديّة: تمليكٌ بلا عوضٍ إكرامًا. والسؤالُ فيها: أهي لك أنت، أم لكرسيّك الذي تجلس عليه؟
- الغُلول: الأخذُ من مال العمل أو الولاية بغير حقّ. وهو لفظُ أهل العلم لما يدخل جيبَ العامل من جهة عمله بغير وجهه.
- السُّحت: لفظٌ قرآنيٌّ في المال المحرَّم، ورد في سورة المائدة [المائدة: ٤٢]، ويذكره أهلُ العلم في هذا الباب.
قاعدةٌ تختصر الفرق بينها
عند الفقهاء قاعدةٌ مشهورة: العبرةُ في العقود بالمقاصد والمعاني، لا بالألفاظ والمباني.
فتسميةُ المال «إكراميّة» أو «شكرًا» أو «تسهيلًا» لا تُغيِّر سببَ دفعه. والاسمُ يتغيّر في الورقة، والحقيقةُ لا تتغيّر.
فاسأل سؤالين قبل كلّ شيء: لماذا دُفِع هذا المال؟ وهل كان سيُدفَع لو لم تكن في هذا الموقع؟
فإن كان العِوَضُ على عملٍ معلومٍ يعلمه من تعمل عنده، فهو في بابٍ. وإن كان ليَميل بك عن الأصلح لمن ولّاك، فهو في بابٍ آخر.
ما الذي يُغيِّر الجواب؟
| العامل | ما يُسأل عنه فيه |
|---|---|
| موقعُ الآخذ | أهو موظّفٌ يعمل لحساب غيره؟ أم صاحبُ العمل نفسُه؟ أم وسيطٌ مستقلّ؟ |
| سببُ الدفع | أهو على عملٍ يلزمه بحكم وظيفته أصلًا؟ أم على عملٍ زائدٍ مأذونٍ فيه؟ |
| علمُ صاحب الشأن | أيعلم به من تعمل عنده ويأذن فيه؟ أم يُخفى عنه؟ |
| أثرُه في القرار | أيميل به الاختيارُ عن الأصلح؟ أم لا أثر له في شيء؟ |
| وقتُ الدفع | أقبل المعاملة؟ أم بعد تمامها بلا شرطٍ ولا عادةٍ جارية؟ |
| العادةُ قبل الوظيفة | أكان هذا الرجلُ يُهدي إليك قبل أن تلي هذا العمل؟ |
| المقدارُ والنوع | أيسيرٌ جرى به عرفُ الناس؟ أم ما تميل به النفوس؟ |
| اللائحةُ والنظام | ماذا تقول لائحةُ جهتك؟ وماذا يقول نظامُ بلدك؟ |
| حالُ الدافع | أدفَع ليصل إلى حقٍّ ثابتٍ مُنِعه؟ أم ليأخذ ما ليس له؟ |
والسطرُ الأخير موضعُ خلافٍ مشهورٍ بين أهل العلم في حال الدافع المضطرّ. وله عندهم شروطٌ وتفصيل، وتنزيلُه على واقعةٍ بعينها عملُ المفتي لا عملُ القارئ.
ما لا يعنيه هذا
- لا يعني أنّ كلّ عمولةٍ رِشوة. الوساطةُ عملٌ له عِوَضٌ معروفٌ عند الفقهاء، والكلامُ في العمولة المكتومة لا في المعلومة.
- ولا يعني أنّ كلّ هديّةٍ في العمل بابٌ واحد. هديّةُ زميلٍ في عُرسك ليست كهديّة مورّدٍ قبل ترسية عقد.
- ولا يعني أنّ توقيعك على قبولها يُصحّحها. الرِّضا لا يُنشئ حقًّا لم يكن، وليس كلُّ ما تراضى عليه اثنان ماضيًا.
- ولا يعني أنّ الجواب واحدٌ في كلّ بلد. اللوائحُ والأنظمةُ والأعرافُ داخلةٌ في تصوير الواقعة قبل الحكم عليها.
- ولا يعني أن تحكم على زميلٍ أو مديرٍ أو جهة. القولُ بغير علم بابٌ ثقيل، والاتّهامُ بالمال أثقلُ منه.
من الحياة
وجد موظّفٌ في المشتريات علبةً على مكتبه صباحَ العيد، وليس عليها اسمُ مُرسِلها.
فسأل من في المكتب، فقيل له: جاءت من شركةٍ تقدّمت أمس بعرضٍ في مناقصة.
فلم يفتحها، ولم يُخرِجها إلى الممرّ ليراها الناس. جلس وكتب أربعة أسطر.
كتب: اسمَ الشركة، وتاريخَ العرض المفتوح، ونصَّ سطر الهدايا في لائحة جهته، وأنّه لم يعرف هذا الرجل قبل عمله هنا.
ثمّ أرسل السطور الأربعة إلى مديره ونسخةً إلى المراجعة الداخليّة. ثمّ حمل السؤال نفسه إلى مفتٍ يعرف أنظمة بلده.
ولن نذكر هنا ما كان الجواب، فهو يتبع اللائحة وسببَ الهديّة ووقتَها. والذي يُذكَر أنّه أخرج المسألة من ظلمة مكتبه إلى ورقةٍ يقرؤها غيرُه.
ماذا يلزمني أنا؟
- افصِل الاسم عن السبب. لا تسأل: ماذا نُسمّي هذا المال؟ بل اسأل: لماذا دُفِع؟ ولمن دُفِع؟
- اكتُب نصّ اللائحة عندك. فأكثرُ الجهات فيها سطرٌ في الهدايا والمصالح، وهو أوّلُ ما يُسأل عنك عنه.
- أعلِن عمولتك للطرفين قبل العقد. والمكتومُ منها يدخل في باب الكتمان الذي مضى في صور الغِشّ.
- ردَّ الأمر إلى من ولّاك. إن كان القرارُ لجهتك فأخبِرها، فهي صاحبةُ الشأن لا أنت.
- لا تُقرّر وأنت في موضع الاشتباه. أخرِج نفسك من القرار أو أخبِر به قبل أن تُقرّر.
- وإن كنتَ مضطرًّا إلى دفع مالٍ لتصل إلى حقّك، فاسأل قبل أن تدفع. ولا تقِس حالك على حكايةٍ سمعتَها من غيرك.
- وإن كنتَ صاحبَ عمل، فاكتب سياسةً مكتوبةً للهدايا والعمولات. والمكتوبُ يُريح الناسَ من الظنون.
متى أحتاج إلى سؤال عالم؟
- إذا عُرِض عليك مالٌ أو خدمةٌ من طرفٍ لك عليه قرار.
- إذا كنتَ وسيطًا وأخذتَ عِوَضًا من الطرفين، أو من طرفٍ لا يعلم به الآخر.
- إذا كان المال قد دُفِع إليك بعد انتهاء المعاملة، وقد جرت به عادةٌ بينكما.
- إذا مُنِعتَ حقًّا ثابتًا، ولم يُدفَع إليك إلّا بمالٍ تدفعه.
- إذا اجتمع في يدك مالٌ تشتبه فيه، وأردتَ أن تعرف ما يلزمك في ردّه.
- إذا اختلفت لائحةُ جهتك عن نظام بلدك، ولم تعرف أيَّهما تُقدِّم.
وهذا الموقعُ يُرتِّب ويُلخِّص ويُحيل، ولا يُفتي. وواقعتُك تُعرَض بأسبابها ووقتها ولائحتها على مفتٍ يعرف بلدك.