ما حقّي وما عليّ في عملي: الأجرُ والدوامُ والأمانة؟
عقدُ العمل عند الفقهاء إجارة: منفعةٌ معلومةٌ بأجرٍ معلوم. وأصلُ البابِ عندهم الوفاءُ بما التزم به الطرفان. وهذه خريطةُ ما يُنظَر فيه: الأجرُ ووقتُه، والساعاتُ، والأمانةُ في الوقت والأداة.
لماذا يهمّني هذا في ديني؟
في آخر الشهر تفتح رسالةَ الراتب، وتُقلّب الأرقام. وفي الطرف الآخر رجلٌ يفتح تقريرَ الساعات، ويُقلّب الأرقام كذلك.
وأنتما في عقدٍ واحد. هو يطلب المنفعة التي دفع ثمنها، وأنت تطلب الثمن الذي بذلتَ منفعتك فيه.
ولذلك دخل الدينُ هذا البابَ من طرفيه معًا. فما على العامل حقٌّ لصاحب العمل، وما على صاحب العمل حقٌّ للعامل.
وفي القرآن وصفُ الأجير بوصفين اثنين، عليهما مدارُ هذا الباب: ﴿قَالَتْ إِحْدَىٰهُمَا يَـٰٓأَبَتِ ٱسْتَـْٔجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَـْٔجَرْتَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]
فالقوّةُ قدرةٌ على العمل، والأمانةُ حفظٌ لما اؤتُمن عليه. وبهما يقوم العمل، ولا يقوم بأحدهما وحده.
وفي أوّل سورة المائدة أمرٌ بالوفاء بالعقود [المائدة: ١]. وعقدُ عملك واحدٌ منها، وإن كان ورقةً مطبوعةً وقّعتَها في يومك الأوّل.
وفي السنّة موضعٌ في أجر الأجير ووقتِه: «أَعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ» (رواه ابن ماجه، رقم ٢٤٤٣)
وأمّا كيف يُنزَّل هذا على الرواتب الشهريّة وآجالِ العقود، فذاك ممّا يُسأل عنه أهلُ العلم.
الفكرة ببساطة
ما اسمُ هذا العقد عند الفقهاء؟
سمّى الفقهاءُ عقدَ العمل إجارةً، وهي عقدٌ على منفعةٍ معلومةٍ بعِوَضٍ معلوم.
والمعقودُ عليه منفعةٌ لا عين. أنت لا تبيع نفسك؛ إنّما تبيع منفعةَ وقتك وعملك في حدٍّ معلوم.
وفرّقوا بين صنفين من الأجراء:
- الأجيرُ الخاصّ: من استُؤجر مدّةً معلومةً لواحدٍ يعمل عنده وحده، كالموظّف في دوامه.
- الأجيرُ المشترك: من يعمل لغير واحدٍ في الوقت نفسه، كالخيّاط والمُصلِّح والعامل المستقلّ اليوم.
وثمرةُ التفريق تظهر عندهم في ملك الوقت وفي الضمان. وتفصيلُه في كتب الفقه، لا في هذه الصفحة.
مصطلحاتٌ ستسمعها في هذا الباب
- الإجارة: عقدُ منفعةٍ بأجر. ويذكر الفقهاءُ لصحّته العلمَ بالعمل، والعلمَ بالمدّة، والعلمَ بالأجر.
- الأجرُ المسمّى: ما اتّفق عليه الطرفان في العقد نفسِه، قلَّ أو كثُر.
- أجرُ المِثل: ما يأخذه نظيرُك على مثل عملك في بلدك. ويُرجَع إليه عندهم إذا لم يُسمَّ الأجرُ أو فسدت تسميتُه.
- الأمانة: ما اؤتُمنتَ عليه. وهي هنا وقتٌ وأداةٌ ومالٌ وسرُّ عملٍ وبياناتُ ناس.
- الغُلول: الأخذُ من مال العمل أو الولاية بغير حقّ. وموضعُه مقالةُ الرشوة والعمولة.
- الشروط: بنودُ العقد ولوائحُ الجهة. والنظرُ في صحّتها بابٌ عند أهل العلم، لا يكفي فيه أنّك وقّعت.
ما الذي يُغيِّر الجواب؟
| العامل | ما يُسأل عنه فيه |
|---|---|
| صيغةُ العقد | ما نصُّ بنوده؟ وما مدّتُه؟ وما العملُ المتّفق عليه بحدّه؟ |
| الأجرُ ووقتُه | أمُسمًّى معلوم؟ ومتى يحِلّ؟ وإن تأخّر، فبعُذرٍ أم بمُماطلة؟ |
| الساعاتُ الزائدة | أهي في العقد؟ أم في اللائحة؟ أم عادةٌ جرى عليها العملُ بينكما؟ |
| طبيعةُ العمل | ما الذي استُؤجرتَ عليه بعينه؟ وما الذي زِيد بعد العقد؟ |
| الاقتطاعاتُ والغرامات | أذُكِرت قبل العقد؟ أم أُحدِثت بعده؟ وعلى أيّ شيءٍ تقع؟ |
| العُرفُ ونظامُ البلد | ماذا يقول نظامُ العمل عندك؟ وما الذي جرى به عملُ الناس؟ |
| أدواتُ العمل ووقتُه | ما المأذونُ فيه؟ وما الذي يخرج عن الإذن؟ |
| إنهاءُ العقد | من أنهاه؟ ومتى؟ وما المستحقّاتُ الباقية بعده؟ |
وأكثرُ هذه أسئلةُ واقعٍ لا أسئلةُ حكم. وهي التي إذا حملتَها إلى المفتي أعانته، وإذا غابت عنه سألك عنها.
ما لا يعنيه هذا
- لا يعني أنّ كلّ تأخيرٍ في الراتب ظلم. العجزُ غيرُ المماطلة، والتفريقُ بينهما لأهل العلم بعد معرفة الحال.
- ولا يعني أنّ كلّ ما في اللائحة ماضٍ لأنّك وقّعت. الشرطُ يُنظَر فيه، والتوقيعُ لا يُصحّح ما لا يصحّ.
- ولا يعني أنّ الأمانة في الوقت وحده. أداةُ العمل وبياناتُه وأسرارُه في البابِ نفسِه.
- ولا يعني أن تأخذ حقّك بيدك من مال الجهة. هذه مسألةُ الظَّفَر، وفيها خلافٌ مشهورٌ بين أهل العلم، وتنزيلُها على حالك للمفتي.
- ولا يعني أن تحكم على شركةٍ أو مديرٍ أو زميل. القولُ بغير علم بابٌ ثقيل، والحكمُ على الأشخاص أثقلُ منه.
من الحياة
قيل لموظّفٍ في اجتماعٍ عابر: العملُ من اليوم إلى السابعة مساءً.
وكان في عقده أنّ الدوام ينتهي في الرابعة. وليس في العقد ذكرٌ للساعات الزائدة ولا لأجرها.
فلم يتكلّم في المجلس، ولم يذهب إلى مجموعةٍ في هاتفه يسأل من فيها.
بل فتح ملفّ العقد فنسخ البند بنصّه. ثمّ قرأ لائحة الجهة، فوجد فيها سطرًا في العمل الإضافيّ. ثمّ أحصى الساعات التي عمِلها فعلًا في ثلاثة أشهر.
ثمّ سأل سؤالين: سأل الإدارة عن معنى السطر في لائحتها، وسأل مفتيًا عمّا يلزمه في هذه الصورة.
ولن نذكر هنا ما كان الجواب، فهو يتبع نصّ البند ونظامَ البلد وما جرى عليه العملُ بينهما. والذي يُذكَر أنّه دخل بابَ السؤال ومعه ورقة، لا ومعه غضب.
ماذا يلزمني أنا؟
- اقرأ العقد قبل أن توقّع، واحتفظ بنسخةٍ منه. والبندُ الذي لا تفهمه اسأل عنه اليوم لا بعد سنة. وفي هذا صفحةٌ سابقة.
- اكتُب ما اتُّفق عليه شفويًّا. رسالةٌ قصيرة تُثبِت ما قيل خيرٌ من ذاكرتين متنازعتين.
- أعطِ الوقت الذي أُخِذ عليه الأجر. فساعةُ الدوام منفعةٌ بِيعت، لا هديّةٌ تُمنَح. وتمامُ الكلام في صور الغِشّ.
- احفَظ أداةَ العمل وسرَّه. الحاسوبُ والبياناتُ وأسماءُ العملاء أمانةٌ لا تخرج معك من الباب.
- إن تأخّر أجرُك فاطلبه مكتوبًا وبأدب. واسأل قبل أن تتصرّف، ولا تُقاصّ نفسك بنفسك.
- وإن كنتَ صاحبَ عمل، فسَمِّ العملَ والمدّةَ والأجرَ قبل أن يبدأ الرجل. فالجهالةُ في أوّل العقد خصومةٌ في آخره.
- لا تُنزِل حكمًا على جهةٍ ولا على شخص. انقُل ما رأيتَه بعينك، ودَعِ الحكم لأهله.
متى أحتاج إلى سؤال عالم؟
- إذا اقتُطع من راتبك ما ليس في عقدك، أو غُرِّمتَ بما لم تعلمه.
- إذا كُلِّفتَ عملًا خارجًا عمّا استُؤجرتَ عليه، ولم تُذكَر له زيادة.
- إذا كان دوامُك يُزاحم وقت الصلاة، وفي ذلك صفحةٌ خاصّة.
- إذا أردتَ أن تأخذ من مال الجهة مقابل حقٍّ مُنِعتَه، فهذه مسألةُ الظَّفَر وفيها خلاف.
- إذا كان في أصل العمل نفسِه ما تشتبه فيه، لا في أجره وساعاته.
- إذا انتهى العقدُ وبقيت مستحقّاتٌ أو التزاماتٌ لم تعرف من يحملها.
وهذا الموقعُ يُرتِّب ويُلخِّص ويُحيل، ولا يُفتي. وواقعتُك تُعرَض ببنودها على مفتٍ يعرف نظامَ بلدك وعُرفَ سوقك.