ما صورُ الغِشّ في بيعي وعملي كلّ يوم؟
الغِشّ أوسعُ من السرقة. منه كتمانُ عيبٍ في سلعة، ووصفٌ يُخالف الحقيقة، ومزايدةٌ صوريّةٌ ترفع السعر، وساعةُ عملٍ مدفوعةٍ تُنفَق في غيرها. وضابطُه: أن تُظهِر خلافَ ما تعلم لينبنيَ عليه عقد.
لماذا يهمّني هذا في ديني؟
يسمع الرجلُ كلمةَ «غِشّ» فينصرف ذهنُه إلى يدٍ تمتدّ إلى جيبٍ ليس لها. ويطمئنّ لأنّ يده لم تمتدّ.
والغِشّ في الشرع أوسعُ من ذلك. هو أن يقوم العقدُ على صورةٍ في ذهن الطرف الآخر تعلم أنت أنّها ليست الحقيقة.
وقد جاء في القرآن الأمرُ بإيفاء الكيل والميزان، ومعه نهيٌ عن بخس الناس أشياءهم: ﴿وَيَـٰقَوْمِ أَوْفُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [هود: ٨٥]
و«بخسُ الأشياء» ليس في الميزان وحدَه. هو أن تُنقص من قيمة ما تُعطي، أو من حقيقته، وأنت تعلم.
وفي السنّة كلمةٌ جامعةٌ في هذا الباب: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ … أَفَلاَ جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَىْ يَرَاهُ النَّاسُ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي» (رواه مسلم، رقم ١٠٢)
فالمسألةُ ليست في مقدار المال الذي زاد في جيبك. هي في نسبتك إلى النبيّ ﷺ وأنت تُخفي ما يجب أن يُقال.
الفكرة ببساطة
فرّق الفقهاء بين ألفاظٍ يُظنّ أنّها واحدة، والفرقُ بينها يُعينك على معرفة موضعك.
كتمانُ العيب: أن تعلم في السلعة عيبًا مؤثّرًا لا يراه المشتري، فتسكُت عنه. والذي يذكره الفقهاء هو العيبُ الذي يُنقص القيمة أو يُغيّر الرغبة، لا كلُّ أثرٍ في السلعة.
التدليس: فعلٌ تصنعه لتُظهر السلعة بخلاف حقيقتها. كإخفاء أثرٍ ظاهر، أو إظهار القديم في هيئة الجديد.
التغرير: قولٌ تصف به السلعة بما ليس فيها، فيبني عليه المشتري عقده.
النَّجْش: أن يزيد في الثمن مَن لا يريد الشراء، ليرفع السعر على غيره. وفي الصحيحين النهيُ عن النَّجْش.
خيارُ العيب: حقٌّ يثبت للمشتري إذا ظهر في السلعة عيبٌ قديمٌ لم يُخبَر به. وهذا هو الجانبُ الآخر من الصورة: الغِشّ لا يُغلق البابَ على المغشوش.
ومن قديم أبوابهم: النهيُ عن تلقّي الرُّكبان، وهو أن يستقبل التاجرُ القادمين بسلعهم قبل أن يعرفوا سعر السوق. والمعنى الذي فيه هو استغلالُ جهل الطرف الآخر بما يعرفه أنت.
متى يصير السكوتُ غِشًّا؟
ليس كلُّ سكوتٍ كتمانًا. والذي يجتمع في صور الكتمان عند الفقهاء ثلاثةُ أوصاف:
- أن تكون عالمًا به. فما لا تعلمه لا يلزمك بيانُه، ولا تُكلَّف بتفتيش ما لا يظهر لك.
- أن يكون خافيًا على الطرف الآخر. فالعيبُ الذي يراه بعينه ليس موضعَ كتمان.
- أن يكون مؤثّرًا. أي يُنقص الثمن أو يُغيّر رغبة المشتري لو علِمه.
فإذا اجتمعت الثلاثة صار سكوتُك جزءًا من العقد. وإذا انتفى واحدٌ منها فأنت في سَعة.
صورٌ من يومك
| الصورة | اسمُها عند الفقهاء | ما يُصلحها |
|---|---|---|
| سيّارةٌ مستعملةٌ فيها عطبٌ لا يظهر | كتمانُ العيب | البيانُ قبل العقد، ولو نقص الثمن |
| صورةٌ في متجرٍ إلكترونيٍّ تُخالف حال السلعة | تدليس | صورةٌ للحال ووصفٌ صادق |
| مزايدةٌ من صاحب السلعة أو من متواطئٍ معه | نَجْش | تركُها، وقد جاء النهيُ عنها |
| وصفٌ في الإعلان بما ليس في المنتج | تغرير بالقول | الاقتصارُ على ما تعلم |
| رسومٌ لا تظهر إلّا بعد إتمام الشراء | كتمانُ شرطٍ مؤثّر | إظهارُ الثمن كاملًا |
| ساعاتُ دوامٍ مدفوعةٍ تُنفَق في غير العمل | إخلالٌ بعقد الإجارة | أداءُ ما استُؤجرتَ عليه |
| سيرةٌ ذاتيّةٌ أو شهادةٌ فيها ما لا حقيقة له | غشٌّ وتدليس | التصحيحُ ولو تأخّرت الوظيفة |
| جيّدُ البضاعة في الأعلى ورديئُها تحته | صورةُ الصُّبرة المعروفة | خلطٌ ظاهرُه كباطنه |
ما لا يعنيه هذا
- لا يعني أنّ الغِشّ سرقة. قد لا يأخذ الغاشُّ درهمًا زائدًا، ويكون غاشًّا بسكوته عمّا يجب بيانُه.
- لا يعني أنّ العُرف يُصحّحه. جريانُ العادة بشيءٍ في السوق لا يُخبرك عن حكمه.
- لا يعني تعدادَ كلّ خدشٍ في سلعتك. الكلامُ في العيب المؤثّر الذي لا يراه المشتري.
- لا يعني أنّ مدحَ سلعتك ممنوع. الوصفُ الصادق تجارة، والوصفُ المخالف للحقيقة بابٌ آخر.
- لا يعني أن تُفتّش في نيّات الباعة. الميزانُ لفعلك أنت، والناسُ على الظاهر.
من الحياة
يعمل مهندسٌ من بيته، وشركتُه تحسب له الساعات بما يُسجّله بنفسه.
مرّت عليه أيّامٌ ثقيلة، ففتح البرنامج في الصباح وانصرف إلى شأنٍ آخر. ثمّ أغلقه في المساء، وفي الورقة ثماني ساعات، وفي الحقيقة خمس.
لم يسرق من خزنةٍ ولا كسر بابًا. ولكنّه أخذ أجرًا على منفعةٍ لم يُسلّمها، والإجارةُ عقدُ منفعةٍ بأجر.
فكتب في آخر الشهر رسالةً قصيرة إلى مديره: في تقريري ثلاث ساعاتٍ لم أعمل فيها، فاخصِموها. فخُصِمت، ولم يقع شيءٌ ممّا كان يخافه.
ماذا يلزمني أنا؟
- بيِّن العيبَ قبل أن يُسأل عنه. ما تعرفه أنت ولا يراه هو، هو موضعُ الأمانة كلِّه.
- صِف سلعتك بما فيها لا بما تتمنّاه. والصورةُ في الإعلان جزءٌ من الوصف.
- أظهِر الثمنَ كاملًا. رسمٌ يظهر بعد الضغط على زرّ الشراء بابُه بابُ الكتمان.
- لا تُزايد على سلعتك ولا تطلُب من غيرك ذلك. ذاك هو النَّجْش بعينه.
- أعطِ من استأجرك وقتَك. الأمانةُ في العمل كالأمانة في البضاعة.
- إن استفدتَ من جهل الطرف الآخر، فقِف وراجِع. المعرفةُ التي عندك ليست إذنًا بالكتمان.
- وإذا وقع منك شيءٌ من هذا، فابدأ بردّ الحقّ. الاعتذارُ وحده لا يُبرئ الذمّة من مالٍ أُخِذ.
متى أحتاج إلى سؤال عالم؟
- إذا ظهر عيبٌ في سلعةٍ بعتَها، ولم تعرف ما يلزمك الآن.
- إذا أشكل عليك حدُّ العيب المؤثّر الذي يجب بيانُه.
- إذا كان عملُك في التسويق، وأشكل عليك حدُّ المبالغة المشروعة.
- إذا أخذت عمولةً على توصيةٍ أو بيعٍ لم يعلم بها المشتري.
- إذا أردت ردَّ مالٍ أُخِذ بغشّ، وتعذّر الوصولُ إلى صاحبه.
- إذا جرى في بلدك عُرفٌ تجاريٌّ تشتبه فيه ويعمل به الناسُ كلُّهم.
وهذا الموقع يُرتّب ويُلخّص ويُحيل، ولا يُفتي. والواقعةُ التي بيدك تُعرَض بتفصيلها على مفتٍ يعرف حالها.