لماذا يدخل الدين في البيع والعمل والمال؟
العبادةُ في الإسلام ليست شعائرَ فقط. الصلاةُ عبادة، وصدقُ الكيل عبادة، والوفاءُ بالعقد عبادة، وطِيبُ الكسب عبادة. فصِلتُك بربّك قائمةٌ وأنت توقّع عقدًا أو تدفع راتبًا، كما هي قائمةٌ وأنت في الصفّ.
لماذا يهمّني هذا في ديني؟
يعيش كثيرٌ من الناس على قسمةٍ في أذهانهم: ساعةٌ لله في المسجد، وساعاتٌ للدنيا في السوق. فالشعائرُ لها أحكامُها، وأمّا العقودُ والرواتبُ والبضاعةُ فلها أعرافُها وحدها.
وترى أثرَ هذه القسمة في رجلٍ لا تفوته تكبيرةُ الإحرام، ثمّ يُماطل دائنَه سنتين. لا يجد في نفسه تناقضًا، لأنّه وضع الدينَ في غرفةٍ وأغلق عليه بابَها.
وهذه القسمةُ لم يأتِ بها الإسلام. أنت في الصلاة عبدٌ لله، وأنت في المحاسبة عبدٌ لله. الموضعُ تغيّر، والمعبودُ واحد. وقد أُمِر النبيّ ﷺ أن يُعلن هذا المعنى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢]
فحياةُ المؤمن كلُّها منسوبةٌ إلى الله، لا ساعةٌ منها دون ساعة.
الفكرة ببساطة
كلمةُ «عبادة» في الشرع أوسعُ ممّا يسبق إلى الذهن. وعرّفها بعضُ أهل العلم بأنّها اسمٌ جامعٌ لكلّ ما يحبّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال.
فإن كان الله يحبّ الصدقَ، فصدقُك في وصف بضاعتك عبادة. وإن كان يبغض الظلمَ، فإنصافُك أجيرَك عبادةٌ أيضًا.
افتَح كتابَ فقهٍ وانظُر النسبة
هذا ليس كلامًا إنشائيًّا؛ له أثرٌ في بنية كتب الفقه نفسِها. جرت عادةُ الفقهاء أن يقسموا أبوابَ الفقه أربعةَ أرباع. وهي العبادات، والمعاملات (أحكامُ المال بين الناس)، والمناكحات (أحكامُ الأسرة)، والجنايات (أحكامُ الدماء والعقوبات).
فالعباداتُ ربعٌ واحدٌ من أربعة. وإذا فتحتَ كتابًا معتمدًا في أيّ مذهبٍ من المذاهب الأربعة وجدتَه يمضي بعد الطهارة والصلاة والزكاة إلى أبوابٍ طويلة:
- البيوع: أحكامُ البيع والشراء، وما يصحّ من الشروط وما لا يصحّ.
- الإجارة: كراءُ الأعيان والأشخاص، ومنه عقدُ العمل وأجرُ الأجير.
- الشركة والقِراض: أن يدفع رجلٌ مالَه إلى من يعمل فيه بجزءٍ معلومٍ من الربح.
- الرهن والحوالة: توثيقُ الدَّين بعين، ونقلُه من ذمّةٍ إلى ذمّة.
- الوكالة والصلح والقِسمة: أن ينوب عنك غيرُك، وأن تُنهي النزاع، وأن يُقسَم المشترَك.
- الشُّفعة: حقُّ الشريك في الحصّة التي باعها شريكُه.
وهذه أبوابٌ في السوق لا في المسجد. وحفظُ المال أحدُ المقاصد الخمسة التي يذكرها الأصوليّون: الدينُ والنفسُ والعقلُ والنسلُ والمال. وللشاطبيّ في هذا الباب كتابٌ مشهورٌ هو «الموافقات».
قاعدتان تُغيّران نظرَك إلى السوق
الأولى: المشهورُ عند أهل العلم أنّ الأصل في العبادات التوقيف، وأنّ الأصل في المعاملات الحلُّ حتّى يقوم دليلُ المنع. فأنت في العبادة تنتظر النصّ ليأذن، وفي المعاملة تمضي حتّى يأتيك النصُّ بالمنع.
الثانية: ومن القواعد المشهورة عندهم أنّ حقوق الله مبناها على المسامحة، وحقوق العباد مبناها على المشاحّة. ولذلك اشتهر عندهم أنّ التوبة من حقّ العبد لا تتمّ إلّا بردّه إلى صاحبه أو استحلاله منه.
ومن هنا جاء التشديدُ في نقص الكيل والوزن: ﴿ وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُوا۟ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ١–٣]
وليست المسألةُ في الميزان وحده؛ فكلُّ كتمانِ عيبٍ في سلعةٍ من جنسه. ومرّ النبيّ ﷺ على صُبرةِ طعامٍ فأدخل يده فيها، فإذا البلَلُ مخبوءٌ في أسفلها: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ … أَفَلاَ جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَىْ يَرَاهُ النَّاسُ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي» (رواه مسلم، رقم ١٠٢)
وأمرَ سبحانه بالوفاء بالعقود في أوّل سورة المائدة [المائدة: ١]، وفرّق بين البيع والربا في سورة البقرة [البقرة: ٢٧٥].
أين يسألك الدينُ في يومك؟
| موضعٌ من يومك | السؤالُ الذي يُطرَح فيه | البابُ الذي يُبحث فيه |
|---|---|---|
| راتبُك الشهريّ | من أين جاء؟ وبأيّ عملٍ استحققتَه؟ | الكسب والإجارة |
| عقدٌ توقّعه | ما الذي التزمتَ به؟ وهل قرأتَ بنودَه؟ | البيوع والشروط |
| بضاعةٌ تبيعها | هل فيها عيبٌ لم يره المشتري؟ | خيار العيب والغشّ |
| دَينٌ عليك | متى تسدّد؟ وهل كُتِب وأُشهِد عليه؟ | الدَّين وتوثيقُه |
| وقتُك في العمل | هل أعطيتَ من استأجرك ما استُؤجرتَ عليه؟ | الأمانة والإجارة |
| شراكةٌ مع صاحبك | كيف يُقسَم الربح؟ وماذا لو وقعت الخسارة؟ | الشركة والقِراض |
| ميراثٌ لم يُقسَم | لمن الحقّ؟ ومن الغائبُ عن القسمة؟ | الفرائض والقِسمة |
ما لا يعنيه هذا الكلام
- لا يعني أنّ السوق كلَّه شبهة. الأصلُ الحلّ، والممنوعُ له أبوابٌ معروفةٌ تُسأل واحدًا واحدًا.
- لا يعني أنّ الشعائر تراجعت. الصلاةُ في موضعها لا يزاحمها شيء؛ والكلامُ هنا في اتّساع العبادة لا في إبدالها.
- لا يعني أنّ النيّة الطيّبة تُصلح العقد. مَن أخذ مالًا بغير حقٍّ لم يُطيّبه له قصدُه الحسن.
- لا يعني أنّ لافتةً على الواجهة جوابٌ كافٍ. العبرةُ بحقيقة العقد لا باسمه ولا بشعاره.
من الحياة
في محلٍّ لبيع الأجهزة، جاء مشترٍ يسأل عن جهازٍ مستعمَل. وكان البائعُ يعلم فيه عيبًا لا يظهر إلّا بعد شهر.
ومرّت لحظةُ الصمت التي يعرفها كلُّ تاجر: أن يسكُت فيربح مئتين، أو يتكلّم فيخسرها.
فقال: فيه كذا وكذا، ولذلك ثمنُه أقلّ. فتردّد المشتري، ثمّ اشتراه بالسعر الناقص.
خرج البائعُ من محلّه في تلك الليلة وليس في ذمّته لأحدٍ شيء. وعاد المشتري بعد شهرين ومعه أخوه.
ماذا يلزمني أنا؟
- اسأل عن حكم المعاملة قبل أن تدخل فيها. السؤالُ قبل التوقيع أهونُ من فسخ عقدٍ بعد سنة.
- انظُر في مصدر مالك لا في مقداره وحده. المقدارُ يُسأل عنه، والمصدرُ يُسأل عنه قبله.
- بيِّن العيب. ما يخفى على المشتري ويعرفه البائعُ هو موضعُ الأمانة كلِّه.
- أوفِ بالعقد ولو تغيّرت الأسعار. الشرطُ الذي التزمتَه دَينٌ في ذمّتك.
- أعطِ الأجيرَ أجرَه، وأعطِ من استأجرك وقتَك. الأمانة في الجهتين لا في جهة.
- اكتُبِ الدَّين وحدِّد أجلَه. أكثرُ الخصومات بين الإخوة مولدُها كلمةٌ لم تُكتَب.
- وإذا وقع منك تقصيرٌ في حقّ إنسان، فاجعَل ردَّ الحقّ أوّلَ خطوةٍ لا آخرَها.
متى أحتاج إلى سؤال عالم؟
- إذا عُرِض عليك عقدٌ لا تعرف حقيقته: تمويلٌ، أو تقسيطٌ، أو شراكة، أو وكالة.
- إذا جاءتك عمولةٌ أو هديّةٌ بسبب وظيفتك ولم تعرف بابَها.
- إذا كان دخلُك مختلطًا، أو كان في عملك ما تشتبه فيه.
- إذا تعلّق الأمرُ بحقّ غائبٍ أو قاصرٍ أو ورثة.
- إذا انتقلت إلى بلدٍ تختلف أعرافُه التجاريّة وأنظمتُه عمّا نشأتَ عليه.
وهذا الموقعُ يُرتِّب ويُلخِّص ويُحيل، ولا يُفتي. والمعاملةُ التي بيدك يُسأل عنها أهلُ العلم ببنودها وتفاصيلها.