هل النيّة الطيّبة تُجيز الفعل المحرَّم؟

فريق الفتوى التحريريحُدِّث في 5 سبتمبر 2026

اقرأ بعده

لا. النيّةُ تُصحِّح القصد ولا تُغيِّر حكمَ الفعل. والقاعدةُ عند أهل العلم أنّ العمل لا يستقيم إلّا بأمرين: إخلاصٍ في القلب، وموافقةٍ للشرع في الصورة. فإن اختلّ الثاني لم يُصلِحه الأوّل.

لماذا يهمّني هذا في ديني؟

لأنّ أكثر ما يقع فيه الصالحون يدخل من هذا الباب. لا من باب الاستخفاف بالدين، بل من باب "مقصدي حسن".

رجلٌ يُدلِّس في ورقةٍ ليُوظَّف ويُنفِق على أمّه. وموظّفٌ يتصدّق من مال شركته بلا إذن أصحابه. وشابٌّ يأخذ مالًا من طريقٍ فيه شبهةٌ ليتزوّج ويُعفَّ.

والباعثُ في هذه الصور كريم. والسؤالُ ليس عن الباعث؛ السؤالُ عن الفعل نفسه: هل يقبله الشرع في صورته؟

وقد نبّه القرآنُ على الأصل في المال خاصّةً، في سورة البقرة: ﴿وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ وَتُدْلُوا۟ بِهَآ إِلَى ٱلْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا۟ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨]

فالمالُ المأخوذُ بالباطل وُصف بالباطل قبل أن يُسأل عن قصد آخذه.

الفكرة ببساطة

يُقرِّر أهلُ العلم أنّ العمل يقوم على ركنين: الإخلاص والمتابعة. فالإخلاصُ أن يكون العملُ لله وحده. والمتابعةُ أن يكون على الوجه الذي شرعه الله. فالأوّل باطنٌ في القلب، والثاني ظاهرٌ في صورة الفعل. ولا ينوب أحدُهما عن الآخر.

والحديثُ الذي يُستشهَد به في هذا الباب هو أوّلُ أحاديث صحيح البخاري: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» (رواه البخاري، رقم ١)

ومعناه عند أهل العلم أنّ العملَ يتبع قصدَ صاحبه في الثواب والصحّة. وليس معناه أنّ القصدَ يُغيِّر حكمَ الفعل؛ فالحديثُ يتكلّم عن قلب العامل، لا عن حكم المعمول.

القصد في القلبالصورة في الفعلما يُقال في هذا الموضع
صالحموافقةٌ للشرعاجتمع الأمران، وهذا هو المطلوب
صالحمخالفةٌ للشرعالقصدُ محمود، والخللُ في الفعل لا في القلب
فيه رياءموافقةٌ للشرعالصورةُ قائمة، والعلاجُ في القلب
فيه رياءمخالفةٌ للشرعخللان معًا، وليس أحدهما جابرًا للآخر

«الكلُّ يفعل ذلك»

وهذه الحجّةُ الثانية، وهي أضعف من الأولى. لأنّ الأولى فيها قصدٌ طيّب، وأمّا هذه فليس فيها إلّا العدد.

وقد جاء في سورة المائدة ما يفصل في وزن الكثرة: ﴿قُل لَّا يَسْتَوِى ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ ۚ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ١٠٠]

فكثرةُ الفاعلين لا تُصيِّر الفعل حقًّا، وقلّتُهم لا تُصيِّره باطلًا. والميزانُ الدليل، لا الإحصاء.

وما الذي يُغيِّر الحكم إذًا؟

سؤالٌ وجيه. فليست النيّةُ من مغيِّرات الأحكام، ولكنّ في الشرع أبوابًا تُغيِّر الحال: الضرورة، والإكراه، والعذر بالجهل، والمشقّة المعتبَرة.

ومن قواعد الفقهاء المشهورة: الضرورات تُبيح المحظورات، ومعها قيدُها الذي لا يُذكَر إحداهما بدونه: الضرورةُ تُقدَّر بقَدْرِها. أي أنّ الرخصة بمقدار دفع الضرورة، لا بابًا مفتوحًا بعدها.

وهذه الأبوابُ يُنظَر فيها العالمُ في واقعةٍ بعينها. فليس لك أن تفتح على نفسك بابَ الضرورة بمجرّد ضيقٍ أو حاجةٍ أو خوفٍ من فوات فرصة.

ما لا يعنيه هذا الكلام

ليس معناه أنّ النيّة لا قيمة لها. هي شرطٌ في العمل، وبها يصير المباحُ قُربةً: نفقتُك على أهلك، ونومُك لتقوى على عملك.

وليس معناه أنّ من وقع في ممنوعٍ بحسن نيّةٍ كمن تعمّد الاستخفاف. فبينهما فرقٌ عند الله، والأعذارُ من جهلٍ أو تأويلٍ أو إكراهٍ بابٌ معتبَر. غير أنّه بابُ العالم إذا نُظر في واقعة، لا بابُ النفس تفتحه على نفسها.

وليس معناه أن تحكم على معيَّن. تقول: هذا الفعلُ جاء فيه نهي. وأمّا فلانٌ فحالُه إلى الله، ولك أن تنصحه لا أن تُصدِر عليه حكمًا.

من الحياة

فتح شابٌّ حملةً على هاتفه لجمع تبرّعٍ لأسرةٍ مريضة. كتب القصّة، فجاءت التبرّعات قليلة. فأعاد كتابتها بعد يومين وزاد فيها ما لم يقع، وكتب رقمًا أكبر من الحقيقة.

فارتفعت الحصيلةُ في ساعة. وقال في نفسه: النيّةُ طيّبة، والمالُ سيصل إلى أهله كاملًا.

ثمّ سأل صاحبًا له فقال له كلمةً واحدة: المالُ سيصل، وأنت مسؤولٌ عن السطر الذي كتبتَه.

فحذف المنشور، وأعاد نشرَ القصّة كما هي، وجمع أقلَّ ونام أهدأ. ولمّا سأله أحدُهم عن السابق، دلّه على من يُفتيه في المال الذي جُمِع بالسطر الأوّل.

ونحن هنا لا نحكم في تلك الحملة ولا في ذلك المال. فللمسألة أصحابُ حقوقٍ وتفاصيلُ لا تُقضى في صفحةٍ عامّة. الغرضُ من المشهد أنّ حُسن الغاية لم يُغيِّر وصفَ الوسيلة.

ماذا يلزمني أنا؟

  • افحَصْ فعلك وحده أوّلًا. اسأل: ما صورةُ هذا الفعل في نفسه؟ ثمّ اسأل عن قصدك بعد ذلك.
  • احذَرِ الجملة التي تُنهي التفكير: "نيّتي طيّبة". فهي تُريح النفس ولا تُجيب عن السؤال.
  • لا تجعل عدد الفاعلين دليلًا، ولا تجعل شهرة الأمر في محيطك حجّةً على الشرع.
  • إن كنتَ ترى في حالك ضرورةً، فاعرِضْها ولا تُقرِّرْها. الضرورةُ يُقدِّرها من يعرف حدَّها.
  • افصِلْ بين تحسين النيّة وتصحيح العمل. الأولى تُصلح قلبك، والثانية تُصلح فعلك، وأنت محتاجٌ إليهما.
  • إذا اكتشفتَ خللًا في مالٍ أو ورقةٍ أو عقد، فاسأل عن الطريق إلى الخروج، ولا تكتفِ بالندم.
  • ولا تُصدِرْ على غيرك حكمًا إذا رأيته وقع في مثل هذا؛ انصَحْه وادلُلْه على من يسأل.

متى أحتاج إلى سؤال عالم؟

  • إذا كان في يدك مالٌ دخل من طريقٍ فيه إشكال، فالخروجُ منه له أحكامٌ تختلف باختلاف الحال.
  • إذا ادّعيتَ لنفسك ضرورةً أو إكراهًا، فحدُّهما لا يُقدَّر بالإحساس.
  • إذا كان في الأمر حقٌّ لمخلوق: متبرّعٌ، أو شريك، أو صاحبُ عمل، أو زوجة.
  • إذا كنتَ تعمل في مجالٍ فيه شبهةٌ وتُنفِق منه على أهلك، فهذه مسألةٌ تُعرَض بتفاصيلها كاملة.
  • إذا اشتبه عليك الفرقُ بين حيلةٍ محرَّمةٍ ومخرجٍ شرعيّ، فالفرقُ بينهما دقيقٌ ويُسأل عنه.

وهذا الموقع يُرتِّب أجوبةً مُلخَّصةً من مصدرها ويُحيل إليها؛ فهو دليلٌ إلى الجواب، ولا يقوم مقام سؤالِ عالمٍ في واقعتك.

يتّصل به