زكاتي لقريبي أو لمن عليه دَيْن: ما الذي يُنظَر فيه؟
للزكاة أهلٌ سمّتهم آيةُ التوبة في ثمانية أصناف. والقريبُ ومن عليه دَيْنٌ قد يدخلان وقد يمنع مانع. وهذه خريطةُ السؤال: المصارفُ الثمانية، وضابطُ القرابة، وما تُحدّده قبل أن تدفع.
لماذا يهمّني هذا في ديني؟
أهونُ ما في الزكاة حسابُها، وأدقُّ ما فيها مصرفُها. فقد يُخرِج الرجل المقدارَ صحيحًا ثمّ يضعه في غير موضعه، فيبقى الحقُّ في ذمّته.
ولذلك لم يُترَك المصرفُ للاجتهاد ولا للعاطفة. سمّى اللهُ أهلَه في آيةٍ من سورة التوبة: ﴿۞ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱلْعَـٰمِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَٱلْغَـٰرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠]
وحين تنظر في قريبك المحتاج، تجتمع عليك رغبتان: رغبةُ الصلة، ورغبةُ إبراء الذمّة. وهما لا تتعارضان في الأصل. لكنّ العاطفة وحدَها لا تُصحِّح مصرفًا، والحسابَ وحدَه لا يجبُر قطيعة.
وأمّا من أثقلَه دَيْن، فقد جاء الأمرُ بإنظار المعسِر: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا۟ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠]
فالشريعةُ تنظر إلى المَدين نظرًا خاصًّا. وليس كلُّ مَدينٍ سواءً في هذا الباب: يُنظَر في سبب دَينه، وفي قدرته، وفيمن استدان له.
الفكرة ببساطة
الأصنافُ الثمانية كما سمّتها الآية
| الصنف | معناه في كلام الفقهاء |
|---|---|
| الفقراء | أهلُ الحاجة الشديدة |
| المساكين | من لا يجد كفايتَه، وفي الفرق بينه وبين الفقير كلامٌ للفقهاء |
| العاملون عليها | من يتولّى جمعَها وحفظَها بولايةٍ من الإمام |
| المؤلَّفةُ قلوبُهم | من يُتألَّف بها على وجهٍ مبسوطٍ عندهم |
| وفي الرِّقاب | بابٌ في فكّ الرقاب، وله عندهم صورٌ وتفصيل |
| الغارمون | من لزمته ديونٌ بشروطٍ يذكرونها |
| وفي سبيل الله | وقد اختلفوا في سَعته وضيقه اختلافًا معتبَرًا |
| ابنُ السبيل | المسافرُ المنقطع عن ماله |
وشرحُ كلّ صنفٍ مبسوطٌ في كتب الفقه والتفسير. والذي يعنيك أنّ القرابة ليست صنفًا تاسعًا. القريبُ يأخذ لأنّه دخل في أحد هذه الأصناف، لا لأنّه قريب.
ضابطُ القرابة عند الفقهاء
المشهور عندهم أنّ من تلزمك نفقتُهم لا تُصرَف إليهم زكاتُك. والعلّة التي يذكرونها: أنّك بذلك تُسقِط عن نفسك واجبًا بمال الزكاة، فيعود نفعُها إليك.
وأصولُك وفروعُك — الوالدان والأولاد — داخلون في هذا عند الجمهور. وأمّا سائرُ القرابة كالإخوة والأعمام وأبنائهم، فالدفعُ إليهم موضعُ كلامٍ وتفصيل. وفيه ما ذكره أهلُ العلم من اجتماع أجر الصلة وأجر الصدقة.
ومَن تلزمه النفقةُ ومَن لا تلزمه ليس أمرًا واحدًا في كلّ حال. يختلف بالقدرة، وبالقرابة، وبحال المُنفَق عليه. ولذلك كان هذا أوّلَ ما تسأل عنه.
والغارم: أيُّ دَيْنٍ يُنظَر فيه؟
يفرّق الفقهاء بين من استدان لنفسه ولحاجته، وبين من تحمّل دَيْنًا لإصلاح ذات البين بين متخاصمين. ولكلٍّ عندهم كلام.
ويذكرون شروطًا في الغارم: أن يكون الدَّينُ في غير معصية، وأن يعجز عن وفائه. وتفصيلُ هذه الشروط وتنزيلُها على مَدينٍ بعينه من عمل المفتي لا من عمل هذه الصفحة.
ما الذي يُغيِّر الجواب في حالك أنت
| العامل | السؤال الذي يفتحه |
|---|---|
| درجةُ القرابة | أهو أصلٌ لك، أم فرع، أم من الحواشي؟ |
| لزومُ النفقة | أتلزمك نفقتُه اليوم بحالك وحاله؟ |
| صفتُه هو | أفقيرٌ هو، أم غارم، أم اجتمع فيه الوصفان؟ |
| سببُ الدَّين | أاستدان لحاجةٍ أم لغيرها، ولنفسه أم لغيره؟ |
| قدرتُه على الوفاء | أمعسِرٌ حقيقةً، أم مماطِلٌ قادر؟ |
| الزوجيّة | فللزوجين في هذا الباب مسألتان مشهورتان عند الفقهاء |
| صورةُ الدفع | أتدفع نقدًا، أم تقضي عنه دَينه، أم تُبرئه ممّا لك عليه؟ |
| الوساطة | أتدفع بيدك أم بجمعيّةٍ أو لجنة؟ |
ما لا يعنيه هذا
- ليست القرابةُ مانعًا في ذاتها. المانعُ عند من قال به هو لزومُ النفقة، لا مجرّدُ صلة الرحم.
- وليست القرابةُ مُدخِلًا في ذاتها. فمن لم يكن من الأصناف الثمانية لم يدخل ولو كان أقربَ الناس إليك.
- ليست الزكاةُ بديلًا عن صلة الرحم. صلةُ الرحم بابٌ قائمٌ بنفسه، والزكاةُ بابٌ آخر.
- ليس إسقاطُ الدَّين الذي لك عليه كدفع الزكاة إليه بغير نظر. وقد تكلّم الفقهاء في هذه المسألة، والمشهور عند الجمهور أنّه لا يقوم مقامها. وهي ممّا يُسأل عنه بعينه.
- ليست النيّةُ الطيّبةُ مُصحِّحةً للمصرف. الموضعُ يُعرَف بالسؤال، لا بحُسن القصد وحدَه.
من الحياة
جاء رجلٌ يريد أن يعين أخاه، وقد أثقلته أقساطٌ تأخّر عنها.
فقال له صاحبٌ عاقل: قبل أن تدفع، اكتُب لي ثلاثة أشياء. ما صلتُك به؟ وهل نفقتُه لازمةٌ لك اليوم؟ وما سببُ دَينه ومقدارُ عجزه عنه؟
فكتبها الرجل، فوجد نفسه لا يعرف الثالثة. فسأل أخاه، فعلِم أنّ نصفَ الدَّين لحاجةٍ ونصفَه لغيرها.
قال صاحبُه: الآن صار عندك سؤالٌ يصلح أن يُسأل. اذهب به إلى من يُفتيك، وسَلْه عن هذه الصورة بعينها.
فذهب. ولم يمنعه ذلك أن يعينه من غير الزكاة في يومه، فالصلةُ لا تنتظر جوابًا.
ماذا يلزمني أنا؟
- اكتُب صلتَك بمن تريد إعطاءه. أبٌ أم ابنٌ أم أخٌ أم عمّ، ومن ينفق عليه اليوم.
- حدِّد حالَه بوصفٍ لا بانطباع. أفقيرٌ هو أم غارم؟ وما دخلُه وما عليه؟
- اسأل عن سبب الدَّين ومقداره. فسببُ الدَّين داخلٌ في نظر الفقهاء.
- افصِل نيّتك. أهذه زكاةٌ مفروضة، أم صدقةُ تطوّع، أم هديّةٌ لقريب؟ فلكلٍّ بابُه.
- اسأل قبل الدفع لا بعده. فردُّ المصروف في غير موضعه أصعبُ من تأخيره يومًا.
- اسأل عن أربعة أشياء بعينها: أتلزمني نفقتُه؟ وفي أيّ صنفٍ يدخل؟ وهل تُجزئ صورةُ الدفع التي أنويها؟ وماذا أصنع بما مضى؟
- إن دفعتَ بجمعيّةٍ فاسأل عن مصرفها. فأنت مسؤولٌ عن اختيار من توكّله.
- اطلُب الجوابَ الكامل. وفي باب الأسئلة والأبواب هنا أجوبةٌ مُلخَّصةٌ مُحالةٌ إلى نصّها.
متى أحتاج إلى سؤال عالم؟
- إذا كان المُعطَى أبًا أو أمًّا أو ولدًا، أو من تشكّ في لزوم نفقته عليك.
- إذا كان أخًا أو عمًّا أو ابنَ أخٍ تُعينه أصلًا في كلّ شهر.
- إذا أردت أن تقضي دَينَ رجلٍ عنه بدل أن تدفع إليه.
- إذا أردت أن تُبرئ مَدينَك ممّا لك عليه وتحسبَه زكاةً.
- إذا كان الزوجان طرفَي المسألة: هي تُعطيه، أو هو يُعطيها.
- إذا شككتَ في صدق من يأخذ، أو ظهر لك بعد الدفع أنّه ليس من أهلها.
- إذا أردت صرفَها في مشروعٍ عامّ أو تعليمٍ أو دعوة، فبابُ «في سبيل الله» موضعُ خلافٍ معتبَر.
وهذا الموقع يُرتِّب ويُلخِّص ويُحيل، ولا يُفتي. وصورةُ قريبك بعينها تُعرَض على مفتٍ يعرف حالكما.