راتبٌ وحسابٌ بنكيّ ومُدَّخَرات: كيف أفهم زكاتي؟
راتبٌ يدخل، وحسابٌ يزيد وينقص، ومُدَّخَرٌ لغرضٍ بعيد. والسؤال: أين تقع الزكاةُ من هذا كلِّه؟ هذه المقالةُ تشرح ما يُنظَر فيه وما تسمعه من مصطلحات، ثمّ تدُلّك على موضع السؤال.
لماذا يهمّني هذا في ديني؟
الزكاةُ في القرآن مأخوذةٌ من المال ومضافةٌ إليه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣]
فالمالُ هو محلُّ الحقّ، لا الشخصُ ولا الوظيفة. ولذلك كان أوّلُ ما يُسأل عنه: ما الذي تملكه؟ لا: كم تقبض في الشهر؟
وفي حديث بعث معاذٍ إلى اليمن، أخرجه البخاريّ في كتاب الزكاة: «ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» (رواه البخاري، رقم ١٣٩٥)
وأنت اليوم لا تملك جِمالًا ولا شعيرًا، وإنّما تملك رقمًا على شاشة. والرقمُ مالٌ كما أنّ الشاةَ مال. فالسؤالُ قائمٌ، وإن تغيّرت صورةُ المال.
وأكثرُ من يُخطئ في هذا الباب لا يُخطئ في الحساب، بل في تصوير المسألة. يظنّ الزكاةَ اقتطاعًا من الراتب، فيحسبها كما تُحسَب الضريبة، ثمّ يتعب ولا يطمئنّ.
الفكرة ببساطة
الزكاةُ متعلّقةٌ بالمال الباقي، لا بالدخل العابر
المشهور عند الفقهاء أنّ الزكاة تجب في المال إذا اجتمع فيه أمران. أن يبلغ النِّصاب، وأن يمرّ عليه الحَوْل وهو نصاب.
فالراتبُ الذي دخل ثمّ خرج في نفقةٍ وإيجارٍ وطعامٍ ليس هو محلَّ السؤال. المحلُّ هو ما بقي واستقرّ عندك.
وأمّا المال الذي يدخل عليك أثناء السنة فيسمّيه الفقهاء المال المستفاد. وللعلماء فيه تفصيلٌ وكلام. أيُضَمّ إلى ما عندك في حَوْله، أم يُستأنَف له حَوْلٌ جديد؟ وهذا موضعُ سؤالٍ لا موضعُ تقدير.
خمسُ كلماتٍ ستسمعها
- النِّصاب: أقلُّ مقدارٍ إذا بلغه المالُ تعلّقت به الزكاة. والمشهور عند الفقهاء تقديرُه في النقود بقيمة نصاب الذهب أو الفضّة، والاختيارُ بينهما وتقديرُه اليوم يُسأل عنه أهلُ الفتوى في بلدك.
- الحَوْل: سنةٌ قمريّةٌ كاملةٌ يمرّ فيها المالُ وهو بالغٌ النِّصاب.
- المال المستفاد: ما دخل عليك بعد بداية الحَوْل، من راتبٍ أو هبةٍ أو ميراث.
- الدَّيْن المرجوّ: مالٌ لك عند غيرك تتوقّع رجوعَه. ويقابله غيرُ المرجوّ: ما عند معسِرٍ أو جاحدٍ لا تقدر على أخذه.
- الدَّيْن الذي عليك: أقساطٌ أو قرضٌ أو ثمنٌ مؤجَّل. ولأثره في الحساب تفصيلٌ عند الفقهاء.
ما الذي يُغيِّر الجواب من شخصٍ إلى شخص
| العامل | السؤال الذي يفتحه |
|---|---|
| مقدارُ الباقي | أيبلغ ما استقرّ عندك النِّصابَ، أم يقلّ عنه؟ |
| تاريخُ بلوغ النِّصاب | متى بلغ مالُك النِّصاب أوّلَ مرّةٍ ولم ينقص عنه؟ |
| نقصانُ المال أثناء السنة | أنقص عن النِّصاب في أثناء الحَوْل ثمّ عاد؟ |
| المال المستفاد | أتُضَمّ رواتبُ السنة إلى الأصل، أم لكلٍّ حَوْلُه؟ |
| ما عليك من دَيْن | أهو حالٌّ الآن، أم أقساطٌ مؤجَّلةٌ على سنين؟ |
| ما لك عند الناس | أمرجوٌّ عندك، أم عند معسِرٍ لا تقدر عليه؟ |
| مالٌ محبوسٌ عنك | ادّخارُ تقاعدٍ أو تأمينٌ لا تملك سحبَه اليوم |
| مالٌ لغرضٍ معيَّن | مُدَّخَرٌ لزواجٍ أو بيتٍ أو علاج |
| اختلافُ العملات | مالٌ في بلدين وعملتين وسعرُ صرفٍ متحرّك |
كلُّ سطرٍ من هذه الأسطر يُغيِّر السؤالَ الذي يطرحه المفتي عليك. ولذلك لا يصلح جوابُ جارِك لك، ولا جوابُك له.
ما لا يعنيه هذا
- ليست الزكاةُ اقتطاعًا من الراتب. هي حقٌّ في المال الباقي، لا في الأجر الداخل.
- ليست على مجموع ما دخل عليك في السنة. فالمنفَقُ في حاجتك ليس بيدك حين يحلّ الحساب.
- ليست معلّقةً بالسنة الميلاديّة ولا بأوّل رمضان. الحَوْلُ يبدأ من بلوغ مالك النِّصاب، وقد يوافق شهرًا آخر.
- ليس كشفُ الحساب هو الجواب. الرقمُ في التطبيق لا يُخبرك عن نيّتك ولا عن ديونك ولا عن حَوْلك.
- ليس ما تزيده البنوكُ على الحساب داخلًا في هذا الباب. له بابُه ومسألتُه، وفيه كلامٌ في الرِّبا يُسأل عنه على حِدَة.
من الحياة
جلس موظّفٌ آخرَ السنة أمام ورقةٍ بيضاء. ولم يبدأ بالحساب، بل بدأ بالجرد.
كتب في العمود الأوّل: ما أملك اليوم. النقدُ في الحساب، والمبلغُ المُدَّخَر للسفر، ومالٌ سلّفه صديقًا منذ شهرين.
وكتب في العمود الثاني: ما عليّ. قسطُ السيّارة الباقي، ومبلغٌ استلفه من أخيه.
وكتب في العمود الثالث سطرًا واحدًا: منذ متى لم ينزل مالي عن حدِّ النِّصاب؟ ووقف عند هذا السطر، فلم يعرف الجواب.
فلم يُقدِّر ولم يُخمِّن. طوى الورقة وحملها إلى من يُفتيه، وقال: هذه حالي، فأخبرني ماذا يلزمني. وهذا هو المطلوبُ منه لا أكثر.
ماذا يلزمني أنا؟
- اجرِد قبل أن تحسِب. ما تملكه اليوم في جدول، لا ما قبضتَه هذا العام.
- اضبِط تاريخًا واحدًا في السنة. يومًا تقف فيه على مالك، وتجعله موعدَ سؤالك ومراجعتك.
- اكتُب ديونك في قسمين. ما عليك حالٌّ، وما عليك مؤجَّل. ثمّ ما لك: مرجوٌّ وغيرُ مرجوّ.
- افصِل المال المحبوس عنك. ادّخارُ التقاعد أو المال المُجمَّد له سؤالٌ مستقلّ.
- اسأل عن أربعة أشياء بعينها: متى بدأ حَوْلي؟ وبأيّ نصابٍ أُقدِّر؟ وكيف أصنع برواتب السنة؟ وماذا أحسِم من ديوني؟
- لا تُقدِّر بالتقريب ثمّ تطمئنّ. التقريبُ في العدد أهونُ من التقريب في الحكم.
- اطلُب الجوابَ الكامل. وفي باب الأسئلة والأبواب هنا أجوبةٌ مُلخَّصةٌ مُحالةٌ إلى نصّها الكامل.
متى أحتاج إلى سؤال عالم؟
- إذا لم تعرف متى بدأ حَوْلُك، أو نزل مالُك عن النِّصاب ثمّ عاد.
- إذا كان عليك قرضٌ طويل، أو أقساطٌ ممتدّةٌ على سنين.
- إذا كان لك مالٌ عند الناس، وشككتَ في رجوعه.
- إذا كان لك ادّخارُ تقاعدٍ أو تأمينٌ لا تملك التصرّف فيه اليوم.
- إذا كان مالُك مُدَّخَرًا لغرضٍ معيَّنٍ كزواجٍ أو بيت.
- إذا مضت سنواتٌ لم تُخرِج فيها، وأردت أن تعرف ما يلزم عمّا مضى.
- إذا كان مالُك في بلدين، أو في عملةٍ تتغيّر قيمتُها كثيرًا.
وهذا الموقع يُرتِّب ويُلخِّص ويُحيل، ولا يُفتي. وورقةُ حسابك تُعرَض على مفتٍ يعرف حالك وبلدك.