لماذا يسألني المفتي أسئلةً كثيرة؟

فريق الفتوى التحريريحُدِّث في 5 سبتمبر 2026

اقرأ بعده

المفتي لا يُفتي في صورةٍ ذهنيّة، بل في واقعتك أنت. والحكمُ يتعلّق بأوصاف الواقعة: لفظِها، ووقتِها، وشروطِها، وعُرف بلدك. فإذا تغيّر وصفٌ تغيّر الجواب. وأسئلتُه تثبُّتٌ في حقّك، لا تشكيكٌ فيك.

لماذا يهمّني هذا في ديني؟

جئتَ تطلُب كلمةً واحدة: نعم أو لا. فإذا بالرجل يسألك: ومتى كان هذا؟ وبأيّ لفظٍ قلتَه؟ وهل وقّعت ورقة؟ وفي أيّ بلدٍ أنت؟

فيدخُل قلبَك شيءٌ من الضيق. أيتّهمني؟ أيُعقِّد ما هو يسير؟ ولو رأيتَ ما يصنعه لَاطمأننت. هو لا يستجوبك، هو يبني صورة الواقعة قبل أن يحكُم عليها.

والقولُ على الله بلا علمٍ أمرُه ثقيل، وقد قرَنه القرآنُ بأعظم المحرَّمات: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّىَ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلْإِثْمَ وَٱلْبَغْىَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَـٰنًا وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]

فهو يخاف أن يُجيبك بجوابٍ لا يخصّك، فتُبنى عليه صلاةٌ أو مالٌ أو بيت. وأسئلتُه هي احتياطُه لك، وهي في الوقت نفسه احتياطُه لنفسه.

الفكرة ببساطة

الفتوى مركَّبةٌ من شيئين: حكمٌ ثابتٌ في أصله، وواقعةٌ بعينها يُنزَّل عليها. والمفتي يملك الأوّل، ولا يملك الثاني إلّا من فمك أنت.

ولأهل الأصول في هذا اصطلاحٌ دقيق. فالوصفُ الذي عُلِّق به الحكمُ يُسمّى المَناط، أي: مُعلَّق الحكم. ثمّ لهم فيه ثلاثةُ مسالك:

  1. تخريجُ المناط: استخراجُ الوصف الذي دار عليه الحكم في النصّ، حيث لم يُصرَّح به.
  2. تنقيحُ المناط: تمييزُ الوصف المؤثِّر من بين أوصافٍ اقترنت به، وإلغاءُ ما لا أثر له.
  3. تحقيقُ المناط: النظرُ في واقعةٍ معيّنة: أموجودٌ فيها ذلك الوصفُ أم لا؟

والثالثُ هو الذي يشتغل به المفتي معك في المكالمة. فالحكمُ معلومٌ عنده من قبل أن تتّصل. والذي يجهله هو أنت: أفي واقعتك الوصفُ الذي عُلِّق به الحكم أم لا؟

أسئلتُه ليست فضولًا

سؤالهما الذي يبحث عنه
ماذا قلتَ بالضبط؟في الأيمان والنذور والبيوع يتعلّق النظرُ باللفظ الواقع، لا بالمعنى الذي في نفسك وحده
متى كان هذا؟الترتيبُ والوقتُ قد يُغيِّران الأثر المترتّب على الفعل
هل وقّعتَ ورقة؟ وما شروطُها؟العقودُ تُقرأ ببنودها لا بأسمائها، والاسمُ يُخفي عقدين
في أيّ بلدٍ أنت؟العُرفُ وحالُ السوق داخلان في تصوير المعاملة
ما حالُك صحّةً وقدرةً ومالًا؟كثيرٌ من الأحكام معلَّقٌ بالقدرة والاستطاعة
هل سألتَ أحدًا قبلي وعمِلتَ بجوابه؟العملُ السابق قد يترتّب عليه أثرٌ يدخل في الجواب
من غيرُك يدخل في هذا؟حقوقُ الناس تُغيِّر النظر، فليس الجوابُ في مالٍ لك كالجواب في مالٍ مشترك

خمسُ خطواتٍ يقطعها قبل أن يُجيبك

  1. يُصوِّر الواقعة: يجمع أوصافها من كلامك حتّى تستقيم عنده صورةً واحدة.
  2. يُكيِّفها فقهيًّا: يُسمّي مسألتك باسمها في أبواب الفقه، فيعرف من أيّ بابٍ تُؤخذ.
  3. يستحضر أدلّة الباب: ما ورد فيه من الكتاب والسنّة وما قرّره أهلُ العلم.
  4. ينظر في الشروط والموانع: أتمّت شروطُ الحكم في واقعتك؟ وهل قام مانعٌ يمنعه؟
  5. يُنزِّل الجواب عليك أنت: فيخرج الجوابُ مقيَّدًا بحالك، لا حكمًا عامًّا للناس كلِّهم.

فإذا سقط وصفٌ من الخطوة الأولى، اختلّت الخطواتُ الأربعُ بعده. ومن هنا كانت الأسئلةُ الكثيرةُ في أوّلها، لا في آخرها.

ثلاثةُ أوهامٍ تزول بهذا

الأوّل: ليست الأسئلةُ تشكيكًا في صدقك. المفتي يبني على خبرك ولا يُحقِّق فيه. وهو يسألك عمّا لم تذكُره، لا عمّا كذبتَ فيه.

الثاني: ليس طولُ الاستفصال علامةَ ضعفٍ في علمه. بل الذي يُجيب عن واقعةٍ معيّنة قبل أن يعرف أوصافها هو الذي ينبغي أن تتوقّف عنده.

الثالث: ليس معنى تغيُّر الجواب بتغيُّر الوصف أنّ الدين يتلوّن. الحكمُ واحد، والذي تغيّر هو الواقعةُ التي نزل عليها. وهذا بابٌ مفصولٌ في صفحةٍ أخرى، فارجع إليه.

من الحياة

اتّصل رجلٌ يسأل عن يمينٍ حلَفها في غضب. وقال في أوّل كلامه: الجوابُ عندي معروف، أريد التأكيد فقط.

فسأله المفتي: بأيّ لفظٍ حلَفت؟ فقال: لا أذكُر بالضبط. قال: تذكّرْ، فالمسألةُ تدور على لفظك. ثمّ سأله: وهل جرى الفعلُ الذي حلَفتَ عليه؟ ومتى؟ وهل سبق منك يمينٌ في الأمر نفسه؟

فقعد الرجلُ يتذكّر ربعَ ساعة. وخرَج له اللفظُ على غير ما كان يظنّ، وتبيّن أنّ في الواقعة يمينَين لا يمينًا واحدة.

فقال المفتي: لو أجبتُك في أوّل المكالمة، لأجبتُك عن مسألةٍ غير مسألتك.

ماذا يلزمني أنا؟

  • أجِبْ عن سؤاله بدقّة، ولا تختصِر. فالوصفُ الذي تراه صغيرًا قد يكون هو مدارَ الحكم.
  • قُلْ «لا أذكُر» إذا لم تذكُر. والظنُّ المُقحَمُ في موضع الخبر يُفسِد الجواب كلَّه.
  • أحضِر الورق قبل المكالمة. العقدُ، والرسالة، ونصُّ اللائحة، والتاريخ.
  • لا تُجمِّل الواقعة. ليس بينك وبين المفتي محاكمة، والتجميلُ يضرّك وحدك.
  • اسأله عن معنى سؤاله إن لم تفهمه. فبيانُ مرادِه جزءٌ من جوابه.
  • لا تستعجله. الجوابُ السريعُ في واقعةٍ معيّنة ليس علامةَ علم.
  • جوابُه لك أنت. فلا تنقُله لغيرك على أنّه حكمٌ عامّ، فربّما اختلف وصفُ الواقعتين.

متى أحتاج إلى سؤال عالم؟

  • إذا كانت المسألةُ واقعةً بعينها لك، لا سؤالًا عامًّا عن بابٍ من أبواب العلم.
  • إذا نطقت بلفظٍ يترتّب عليه أثر، في يمينٍ أو نذرٍ أو عقد.
  • إذا دخل في المسألة حقُّ إنسانٍ آخر: شريكٍ أو زوجةٍ أو وارث.
  • إذا لم تفهم الجواب الذي أُعطيتَه، فراجِع صاحبَه قبل أن تعمل به.
  • إذا تغيّر وصفٌ من أوصاف واقعتك بعد الجواب، فأعِد السؤال بحاله الجديدة.

وهذا الموقعُ يُرتِّب ويُلخِّص ويُحيل، ولا يُفتي.

يتّصل به