ماذا يعني قولُهم: «في المسألة خلاف»؟
معناه أنّ أهل العلم اختلفوا في حكم المسألة لأسبابٍ علميّة معروفة، وأنّ الجواب فيها ليس محلَّ اتّفاق. ولا يعني أنّ الأقوال كلَّها سواء، ولا أنّ لك أن تنتقيَ أيسرها. اسأل من تثق بعلمه واعمل بجوابه.
لماذا يهمّني هذا في ديني؟
تسأل عن مسألةٍ تعنيك، فيأتيك الجواب في أربع كلمات: في المسألة خلاف. فتخرج وأنت تظنّ أحد أمرين. إمّا أنّ البابَ أُغلِق في وجهك، وإمّا أنّ الأمر صار متروكًا لك تختار منه ما تشاء.
وكلا الظنّين خطأ. العبارةُ في أصلها أمانةٌ من قائلها لا تهرّبٌ منه. هو يُخبِرك بحقيقة الحال. مسألتُك ليست من المُحكَمات التي لا تحتمل غير قولٍ واحد. وأهلُ العلم نظروا فيها فتفاوتت أنظارُهم.
ثمّ إنّ الخلاف لا يُترَك سائبًا بلا مرجع. قال الله تعالى في التنازع: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَـٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]
فالمرجعُ واحد، والطريقُ إليه اجتهادُ أهل العلم. وأنت لا يلزمك أن تقضي بين العلماء، إنّما يلزمك أن تعرف ما تعمل به أنت.
الفكرة ببساطة
خلافٌ معتبَرٌ وخلافٌ غيرُ معتبَر
ليس كلُّ قولٍ يُنسَب إلى قائلٍ خلافًا يُعتدّ به. فرّق أهلُ العلم بين قسمين:
- الخلافُ المعتبَر (ويُسمّى السائغ): ما وقع بين أهل الاجتهاد في مسألةٍ تحتمل النظر، ولكلّ قولٍ فيها مستنَدٌ من الأدلّة.
- الخلافُ غيرُ المعتبَر: ما صادم نصًّا قاطعًا أو إجماعًا منقولًا، أو خرج عن قواعد النظر المعروفة. ويُسمّى القولُ فيه شاذًّا.
وتمييزُ أحدهما من الآخر بابٌ لأهل العلم. لا يُعرَف بعدد الأتباع، ولا بحرارة العبارة، ولا بأنّ القولَ وافق ما في نفسك.
اختلافُ تنوّعٍ واختلافُ تضادّ
وهذا تقسيمٌ ثانٍ يُريح قلبَك حين تراه:
- اختلافُ التنوّع: أن يكون الوجهان مشروعين معًا، فالعملُ بأحدهما لا يُبطِل الآخر. ومن أمثلته عند أهل العلم تعدّدُ الصفات الواردة في بعض العبادات.
- اختلافُ التضادّ: أن يكون القولان لا يجتمعان، فلا بدّ من نظرٍ وترجيح.
فالأوّلُ سعةٌ في الدين لا خصومة فيه، والثاني موضعُ الترجيح. وطالبُ الترجيح هو المجتهد، لا القارئُ ولا السامع.
كلماتٌ تسمعها مع الخلاف
| العبارة | ما تعنيه عند أهل العلم |
|---|---|
| الجمهور | أكثرُ أهل العلم من المذاهب، وليست العبارةُ بمعنى الإجماع |
| الراجح | القولُ الذي قوي دليلُه عند قائله، ويقابله المرجوح |
| المعتمَد في المذهب | ما استقرّ عليه محقّقو المذهب، وقد يوجد في المذهب نفسِه قولٌ آخر |
| قولٌ شاذّ | ما خرج عن الأصول أو صادم نصًّا قاطعًا |
| الأحوط | ما فيه احتياطٌ وخروجٌ من الخلاف، وليس هو الحكمَ اللازم |
ما لا يعنيه هذا
الأوّل: لا يعني أنّ الأقوال كلَّها في درجةٍ واحدة. الأدلّةُ تتفاوت قوّةً، والترجيحُ بينها عملُ أهل النظر. وأمّا هل المصيبُ واحدٌ أم كلُّ مجتهدٍ مصيب، فمسألةٌ اختلف فيها الأصوليّون أنفسُهم، وليست هذه الصفحةُ موضعَ الفصل فيها.
الثاني: لا يعني أن تجمع الأقوال ثمّ تنتقي أيسرها. وهذا هو الذي يُسمّيه أهلُ العلم تتبُّعَ الرُّخَص، وقد حذّر منه كثيرٌ منهم.
الثالث: لا يعني أنّ المسؤول لا يعرف الجواب. قد يكون الراجحُ عنده ظاهرًا، ثمّ يذكر لك الخلافَ أمانةً في النقل، ثمّ يُنزِل عليك ما يليق بحالك أنت.
الرابع: لا يعني أنّ الشريعة مضطربة. قطعيّاتُ الدين محفوظةٌ متّفقٌ عليها، والخلافُ إنّما يقع في فروعٍ تحتمل النظر، وهو قديمٌ من عهد الصحابة.
من الحياة
امرأةٌ سألت عن أمرٍ يخصّها في بيتها، فجاءها الجواب: في المسألة خلاف بين أهل العلم.
فسكتت وهي تحسَب أنّ الشيخ اعتذر عن الجواب. ثمّ عادت بعد أيّامٍ وسألت سؤالًا واحدًا غيّر كلَّ شيء: أنا حالي كذا وكذا، فماذا أعمل أنا؟
فأجابها بجوابٍ واحدٍ واضح، ووصف لها ما تصنع.
فعرفت يومَها أنّ العبارة الأولى كانت وصفًا لحال المسألة في كتب أهل العلم، لا جوابًا لها هي. وأنّ سؤالها الثاني هو الذي فتح الباب.
ماذا يلزمني أنا؟
- اسأل السؤال الصحيح. لا تقُل: ما الراجح؟ بل قُل: حالي كذا، فماذا أعمل؟ فالفتوى تنزيلٌ على واقعةٍ لا محاضرةٌ في خلاف.
- لا تجمع الأقوال لتنتقيَ أيسرها. والذي يبحث عن الرخصة يجدها، ولكنّه يخرج بدينٍ ركّبه بيده.
- لا تُنكِر على من أخذ بقولٍ معتبَر. فمن قلّد عالمًا ثقةً في مسألةٍ يسوغ فيها الخلاف فليس بمُخطئٍ في نفسه.
- لا تُسمِّ كلَّ اختلافٍ خلافًا. فليس كلُّ من تكلّم في مسألةٍ صار قولُه قولًا معتبَرًا فيها.
- استقرّ على جوابٍ واحد. التنقّلُ بين الفتاوى يُذهِب الطمأنينة، ويجعل دينك تابعًا لآخر مقطعٍ رأيتَه.
- إذا أردت الاحتياط فاسأل عنه ولا تبتدِعه لنفسك. الخروجُ من الخلاف قاعدةٌ ذكرها الفقهاء بشروط، لا دعوةً إلى التشديد في كلّ شيء.
- وظيفتُك السؤالُ لا القضاء بين العلماء: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ ۚ فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]
متى أحتاج إلى سؤال عالم؟
- إذا قيل لك في مسألتك: فيها خلاف، ولم تعرف بعدها ما تعمل به.
- إذا كان الخلافُ في عقدٍ أو مالٍ أو نكاحٍ أنت مُقبِلٌ عليه.
- إذا أردت أن تعرف هل القولُ الذي بلغك معتبَرٌ عند أهل العلم أم شاذّ.
- إذا حملك الخلافُ على حيرةٍ أو وسوسةٍ في دينك.
وهذا الموقعُ يُرتِّب ويُلخِّص ويُحيل، ولا يُفتي.