هل يجب أن أفهم الحكمة من الحكم لألتزم به؟

فريق الفتوى التحريريحُدِّث في 5 سبتمبر 2026

اقرأ بعده

لا. الالتزامُ معلَّقٌ بثبوت الحكم، لا بفهمك حكمتَه. والشريعةُ كثيرًا ما تذكر مقصودَها. وطلبُ الحكمة مشروع. فإن خفيت عليك بقي الحكمُ قائمًا. فالعلمُ بالحكمة زيادةُ طمأنينة، لا شرطُ طاعة.

لماذا يهمّني هذا في ديني؟

لأنّ السؤال يأتي كلَّ واحدٍ منّا: ولماذا هذا بالذات؟ ولا حرج في السؤال؛ فالقرآن نفسُه يذكر المقاصد ويخاطب العقول.

انظُر إلى القصاص، وقد ذُكرت ثمرتُه في نصّ الآية، في سورة البقرة: ﴿وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]

وانظُر إلى الصلاة وقد ذُكر أثرُها في صاحبها، في سورة العنكبوت: ﴿ٱتْلُ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ ۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٥]

وفي الخمر والميسر جاء بيانُ المفسدة صريحًا، في سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِى ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]

فهذا دينٌ يخاطب العقل ولا يستخفّ به. وقد قرّر أهلُ العلم أنّ الشريعة جاءت بجلب المصالح ودرء المفاسد. وأنّ أحكامها ترجع إلى حفظ خمسٍ سمَّوها الضروريّات الخمس: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. ومن أشهر ما صُنِّف في هذا الباب كتابُ «الموافقات» للشاطبيّ.

غير أنّ العقل يُدرك ولا يُحيط. وهنا موضعُ الفرق الذي يضلّ فيه كثيرون.

الفكرة ببساطة

ثلاثُ كلماتٍ من كلام أهل الأصول يخلط الناسُ بينها، والفرقُ بينها يحلّ أكثرَ الإشكال:

الكلمةمعناهافي المثال المشهور عند أهل الأصول
الحُكمخطابُ الشرع في الفعل: افعَلْ أو دَعْمشروعيّةُ القَصْر للمسافر
العِلّةالوصفُ الظاهر المنضبط الذي عُلِّق به الحكمالسَّفر
الحكمةالمقصودُ الذي شُرِع الحكمُ لأجلهالتخفيفُ ورفعُ المشقّة

ولهذا الترتيب ثمرةٌ عمليّةٌ كبيرة. فمن قواعد أهل الأصول أنّ الحكم يدور مع عِلّته وجودًا وعدمًا. أي يثبت حيث وُجد الوصفُ المنضبط، ويرتفع حيث ارتفع. ولذلك يقصُر المسافرُ وإن كان سفرُه في طائرةٍ مريحةٍ بمقعدٍ وثير. فالوصفُ المعلَّقُ به الحكمُ هو السفر، لا تعبُ الطريق.

ولو عُلِّقت الأحكامُ بالحكمة وحدَها لاختلّ الأمر. فالمشقّةُ تختلف من رجلٍ إلى رجل، ومن يومٍ إلى يوم، ولا تنضبط بميزان. والعلّةُ الظاهرةُ المنضبطةُ تجمع الناسَ على حكمٍ واحدٍ لا يتأرجح بأمزجتهم.

وهل لكلّ حكمٍ عِلّةٌ نعرفها؟

لا. وقد قسّم أهلُ العلم الأحكام في هذا الباب قسمين. فمعقولُ المعنى ما ظهرت لنا مناسبتُه، كأكثر المعاملات. والتعبُّديُّ ما لم تظهر لنا فيه عِلّةٌ منضبطة، كأعداد الركعات ومقادير النُّصُب.

والقسمُ الثاني ليس نقصًا في الشريعة. هو موضعُ الابتلاء الصريح: أن تُطيع لأنّ الآمر هو الله، لا لأنّ العقل صدَّق. ثمّ إنّ في التعبُّديّ حكمةً جامعةً وإن غابت تفاصيلُها: انضباطُ العبادة عن أن يزيد فيها كلُّ أحدٍ بحسب ذوقه.

ما لا يعنيه هذا الكلام

ليس معناه أنّ السؤال عن الحكمة عيبٌ أو سوءُ أدب. السؤالُ مشروع، وقد وقع في القرآن وفي مجالس الصحابة.

وليس معناه أنّ كلَّ ما يُقال في الحكمة صحيح. ما ذكره النصُّ فمقطوعٌ به. وما استنبطه أهلُ العلم فاجتهادٌ يُنسَب إليهم. وما تسمعه في مقطعٍ عابرٍ من تعليلاتٍ طبّيّةٍ أو نفسيّةٍ فليس دليلًا للحكم أصلًا.

وليس معناه أن تُسقِط حكمًا إذا ظننتَ أنّ حكمتَه انتهت. فهذه دعوى تحتاج إلى علمٍ بالعِلّة أوّلًا، وإلى نظرٍ في ثبوتها ثانيًا. وقد بيّن القرآنُ حدَّ علمنا: فقد يكره الإنسانُ ما فيه خيرُه، ويحبُّ ما فيه ضرُّه [البقرة: ٢١٦].

من الحياة

وقفت أمٌّ عند نافذة الصيدليّة ومعها ورقةُ الطبيب. قال لها: قرصٌ كلَّ ثماني ساعات، بعد الطعام. فسألت: ولماذا بعد الطعام؟ فأجابها الصيدليُّ بجملةٍ واحدةٍ عن المعدة، وطبع لها الورقة.

فوضعت الأمُّ منبِّهًا في هاتفها، وأعطت ابنها الدواء في وقته، ولم تنتظر أن تُتقن الصيدلة أوّلًا. وهي عاقلةٌ في هذا، لا مقلِّدةٌ عمياء.

ثمّ قرأت في المساء منشورًا يقول: هذا الدواءُ لم يعد مفيدًا، والدراساتُ تغيّرت. فارتبكت ليلةً كاملة، ثمّ فعلت الصواب: سألت الطبيبَ نفسَه، لا صاحبَ المنشور.

وليس في هذا قياسُ الخالق على المخلوق. وإنّما هو نظرٌ في عادة الناس أنفسِهم: هم يعملون بقول من يثقون بعلمه وهم لا يحيطون بما يعلم. على أنّ الطبيب يجهل ويُخطئ ويُراجع، وأمّا حكمُ الله فمن عليمٍ حكيمٍ لا يجهل ولا يعجز.

ماذا يلزمني أنا؟

  • اطلُبِ الحكمة ولا تجعلها شرطًا. اسأل «لماذا؟» سؤالَ متعلِّمٍ يستزيد، لا سؤالَ قاضٍ يُصدِر حكمَه على الشرع.
  • افصِلْ في ذهنك بين العِلّة والحكمة. العِلّةُ وصفٌ منضبطٌ يُبنى عليه الحكم، والحكمةُ ثمرتُه. والخلطُ بينهما أصلُ كثيرٍ من الغلط.
  • لا تربِطِ الحكم بتفسيرٍ طبّيٍّ أو اقتصاديٍّ سمعتَه، فإن سقط التفسيرُ يومًا ظننتَ أنّ الحكم سقط معه.
  • لا تُسقِطْ حكمًا لأنّك لم ترَ حكمتَه. غيابُ المعنى عن نظرك ليس دليلًا على غيابه في نفسه.
  • اقبَلِ التعبُّديّ بابًا قائمًا في دينك، ولا تطلُبْ لأعداد الركعات عِلّةً كما تطلبها لأحكام البيع.
  • اكتُبْ ما يُشكِل عليك واسأل عنه، ولا تدَعْه يبقى في نفسك سنواتٍ بلا جواب.
  • ولا تُعلِّم غيرك حكمةً لم تأخذها عن عالم. فالكلامُ في مقاصد الشريعة بابٌ من العلم، لا من الذوق.

متى أحتاج إلى سؤال عالم؟

  • إذا سمعتَ من يقول: هذا الحكمُ كان لزمنٍ مضى وانتهت حكمتُه. فهذه دعوى كبيرةٌ لا تُقبَل بلا نظرٍ من أهلها.
  • إذا اشتبه عليك في مسألةٍ تخصُّك: أهذا وصفٌ عُلِّق به الحكمُ، أم حكمةٌ ذُكرت في سياق الترغيب؟
  • إذا أردتَ أن تُلحِق مسألةً جديدةً بحكمٍ قديمٍ لاشتراكهما في المعنى، فذاك القياس، وله أهلُه وشروطُه.
  • إذا اختلف أهلُ العلم في تعليل حكمٍ، فاعلَمْ أنّ الخلاف في العِلّة يُغيِّر الفروعَ المبنيّة عليها.
  • إذا كان الإشكالُ عندك أعمقَ من مسألةٍ فرعيّة، فاطلُبْ عالمًا يجلس إليك ويسمع منك.

وهذا الموقع يُرتِّب أجوبةً مُلخَّصةً من مصدرها ويُحيل إليها؛ فهو دليلٌ إلى الجواب، ولا يقوم مقام سؤالِ عالمٍ في واقعتك.

يتّصل به