هل يجب أن أتّبع مذهبًا من المذاهب الأربعة؟
لأهل العلم في هذه المسألة كلام، وليست هذه الصفحةُ موضعَ ترجيح. والتزامُ مذهبٍ من الأربعة مسلكٌ معتبَرٌ سار عليه كثيرٌ من المسلمين. والمتّفَق عليه أنّ وظيفتك أن تسأل من تثق بعلمه وأمانته، وأن تعمل بما يقول.
لماذا يهمّني هذا في ديني؟
وقعت في زماننا خصومةٌ حول هذه الكلمة الواحدة: «المذهب». تُرفَع فيها الشعاراتُ من الجهتين، ويُتَّهم فيها المخالف، وتنتهي المجالسُ إلى ما لا يُرضي أحدًا.
وأنت لم تطلُب هذه الخصومة، ولا هي من شأنك. سؤالُك أبسطُ من هذا وأصدق: أنا رجلٌ أو امرأةٌ يُريد أن يُصيب مرادَ الله في عملِه اليوميّ. فمن أسأل؟ وبماذا أعمل؟ وهل أنا مُقصِّرٌ إن لم أُسمِّ نفسي بمذهب؟
فدَعْ عنك المعركة، وخُذ أوّلًا ما لا خلاف فيه. ليست المذاهبُ الأربعةُ أصلًا خامسًا مع الكتاب والسنّة والإجماع والقياس؛ ما قال هذا أحدٌ من أهل العلم. ولا يقول عالِمٌ معتبَرٌ إنّ من لم يقرأ كتب المذاهب فليس بمسلم. والعبادةُ التي تُؤدّيها اليومَ صحيحةٌ أو غيرُ صحيحةٍ بميزان الشرع، لا بميزان الانتساب.
الفكرة ببساطة
خمسةُ أسئلةٍ تدور في رأس القارئ عادةً، وهذا مُجمَلُ ما يُقال فيها.
| السؤال | مُجمَلُ الجواب |
|---|---|
| هل يلزمني مذهبٌ بعينه؟ | لأهل العلم فيه قولان مبسوطان في كتب الأصول، ولا تحسِمهما صفحةٌ كهذه |
| وهل يتعطّل عملي حتّى أعرف الراجح؟ | لا. اسأل من تثق بعلمه وأمانته، واعمل بجوابه |
| أأسأل مفتيًا من مذهبٍ غير مذهب أهلي؟ | المذاهبُ الأربعةُ معتبَرةٌ كلُّها، والنظرُ في العالِم قبل النظر في نسبته |
| وأهلي على مذهب، فماذا أصنع؟ | نشأتُك على مذهب أهلك ليست عيبًا، ولا تُلزِمك بالطعن في غيره |
| أفآخُذ من كلّ مذهبٍ أيسرَ ما فيه؟ | هذا هو تتبُّع الرُّخَص، وقد حذّر منه كثيرٌ من أهل العلم |
فأمّا الخلافُ في المسألة الأولى فصورتُه هكذا. منهم من رأى أنّ من لا يقدر على النظر في الأدلّة ينبغي أن يضبط دينه بمذهبٍ معروفٍ مُدوَّن. يرجع فيه إلى علمائه. ومنهم من رأى أنّه لا يلزمه التزامُ إمامٍ بعينه، وإنّما يلزمه سؤالُ من يثق بعلمه أيًّا كان. والقولان لأهل العلم، وموضعُ بسطهما كتبُهم.
ولاحِظ أنّ القولين لا يختلفان في المهمّ. كلاهما يقول: لا تُفتِ نفسك، واسأل أهل الذكر. قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ ۚ فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
فما وظيفتك أنت عند السؤال؟ خمسةُ أشياء لا تتغيّر مهما كان مذهبك:
- أن تسأل من يغلب على ظنّك علمُه وأمانتُه في الباب الذي تسأل عنه.
- أن تصِف حالك كما هي، بلا تجميلٍ ولا اختصارٍ مُخِلّ.
- أن تعمل بالجواب، لا أن تجعله بدايةَ مساومة.
- ألّا تنقُل جوابَك لغيرك على أنّه حكمٌ عامّ؛ فقد أُفتيتَ في حالك أنت.
- ألّا تُنكِر على من قلّد عالِمًا آخر في مسألةٍ يسوغ فيها الخلاف.
والتقليدُ هنا ليس ذمًّا. هو فرضُ من لا يقدر على النظر، وهذا هو حالُ عامّة الناس. والمذمومُ شيءٌ آخر: أن تُقلِّد من لا يستحقّ أن يُقلَّد، أو أن تُقلِّد هواك وتُسمّيَه مذهبًا.
وبقِيَ قيدٌ يُذكَر بإنصاف. من التزم مذهبًا فليس معنى ذلك أن يُقدِّم قولَ إمامه على نصٍّ ثبت عنده خلافُه. وقد نُقِل عن الأئمّة الأربعة نهيُهم عن تقليدهم إذا خالف قولُهم الدليل، وهذا مشهورٌ عنهم. غير أنّ تنزيل هذا ليس إلى العامّيّ. فمعرفةُ أنّ الحديث ثابت، وأنّه سالمٌ من معارضٍ أو ناسخٍ أو مُخصِّص، بابٌ من الاجتهاد له أهلُه.
من الحياة
شابٌّ عاد من دراسته وقد قرأ وحفِظ. جلس إلى مائدة أبيه، فرأى في صلاة أبيه هيئةً غيرَ التي تعلَّمها، فرفع صوتَه بالتصحيح أمام إخوته الصغار.
سكت الأبُ ولم يُجِب. وفي المساء سأل الشابُّ شيخًا يثق به. فأخبره أنّ الهيئتين معروفتان عند الفقهاء ولكلٍّ مستنَدُها، وأنّ أباه على مذهب أهل بلده.
فما خسِره الشابُّ تلك الليلةَ لم يكن مسألةً في الصلاة. خسِر شيئًا من مهابة أبيه في عيون إخوته، وثمنُه أغلى من المسألة كلِّها. والعلمُ الذي لا يُصاحبه أدبٌ يُفسِد أكثر ممّا يُصلِح.
ماذا يلزمني أنا؟
- اسأل ولا تُفتِ نفسك. هذا هو القدرُ المتّفَق عليه، والتزامُك به يُغنيك عن حسم الخلاف.
- إن كنت على مذهب أهلك، فلا حرج عليك. والاستقرارُ على طريقةٍ معلومةٍ خيرٌ من التنقّل كلَّ يوم.
- وإن لم تكن على مذهبٍ معيّن، فلا تُشعِر نفسك بالنقص. اسأل من تثق به، واعمل بجوابه.
- لا تدخُل في خصومة «المذهبيّة واللامذهبيّة». هي مساحةُ نزاعٍ تُتعِب القلبَ ولا تُقيم عملًا.
- لا تختَر القولَ لأنّه أخفُّ عليك. اختَر من تسأل، ثمّ اقبَل ما يقول.
- لا تُخاصِم أهلك في فرعٍ يسوغ فيه الخلاف. بِرُّ الوالدين أصلٌ محكَم، والمسألةُ فرعٌ يحتمل.
متى أحتاج إلى سؤال عالم؟
- إذا أردت أن تعرف ما تعمل به في عبادةٍ أو معاملةٍ بعينها، لا مجرّدَ حكم التمذهب.
- إذا انتقلت إلى بلدٍ يغلب عليه مذهبٌ غيرُ ما نشأت عليه، واختلط عليك الأمر.
- إذا قرأت دليلًا ظننتَ أنّه يخالف ما تعمل به، فاعرِضه على عالمٍ قبل أن تُغيِّر عملك.
- إذا كنت مُقبِلًا على عقدٍ أو ميراثٍ أو نكاحٍ تختلف فيه أنظارُ الفقهاء.
وهذا الموقعُ يُرتِّب ويُلخِّص ويُحيل، ولا يُفتي.