هل يلزمني أن أبحث في الأدلّة بنفسي؟

فريق الفتوى التحريريحُدِّث في 5 سبتمبر 2026

اقرأ بعده

الاجتهادُ في الأدلّة عملٌ له آلاتُه وأهلُه، ولم يُكلَّف به كلُّ مسلم. والذي على غير المتخصّص أن يعرف حكم ما يُقدِم عليه، وأن يسأل من يثق بعلمه. وطلبُ العلم لتفهم دينك بابٌ آخر، وهو مفتوحٌ لك.

لماذا يهمّني هذا في ديني؟

يمرّ بك في هاتفك كلامٌ يُشعِرك بالتقصير: الدليلُ بين يديك، فلماذا تسأل غيرك؟ فتقعُد إلى الآية والحديث تُقلِّبهما ساعة، ثمّ تقوم وأنت أشدُّ حيرةً ممّا كنت.

وتحت هذا سؤالٌ يخصّك أنت: أتقصيرٌ في ديني أن أسأل بدل أن أبحث؟ والجوابُ يُريحك. الدينُ لم يُبنَ على أن يصير كلُّ مسلمٍ فقيهًا. بُنِي على أن يقوم بهذا العلم من يكفي الأمّة، ويرجع إليهم سائرُهم.

وقد ذكر القرآنُ صنفًا يُرَدُّ إليهم الأمرُ فيستنبطونه: ﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلْأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُوا۟ بِهِۦ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنۢبِطُونَهُۥ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَٱتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣]

وفيه أيضًا حدٌّ يحفظ لسانك: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۚ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]

فالخطرُ الذي تخافه ليس في أن تقول: لا أدري فأسأل. الخطرُ في أن تقول على الله بما لا تعلم، وأنت تحسَب أنّك تُحسِن.

الفكرة ببساطة

فرّق أهلُ العلم في العلم الشرعيّ بين قسمين، والفرقُ بينهما يحلّ لك المسألة كلَّها.

  • فرضُ العين: ما لا يسع المسلمَ جهلُه ممّا يُباشره هو. حكمُ صلاته وطهارته وصومه، وحكمُ الكسب الذي يعيش منه، وحكمُ العقد الذي يُوقِّعه.
  • فرضُ الكفاية: ما إذا قام به من يكفي الأمّةَ سقط عن الباقين. وعلمُ الاستنباط والترجيح بين الأدلّة من هذا الباب.

فأنت مطالَبٌ بالأوّل قطعًا، وهو أضيقُ ممّا تظنّ وأقربُ ممّا تخاف. وأمّا الثاني فالأمّةُ مطالَبةٌ به، لا كلُّ فردٍ فيها.

الناسُ في هذا الباب مراتب

المرتبةما الذي عندهما الذي يُطلَب منه
العامّيّلا آلةَ له في الاستنباط، وقد يكون واسعَ الاطّلاعأن يعرف ما تقوم به عبادتُه ومعاملتُه، وأن يسأل عمّا أشكل
طالبُ العلميقرأ ويحفظ ويتدرّج، وأدواتُه لم تكتمل بعدأن يتعلّم على شيخٍ ومنهج، وأن يُمسِك عن الفتوى
العالِمضبَط اللغةَ والحديثَ وأصولَ الفقه ومسائلَهالتعليمُ والبيان وردُّ الناس إلى مواضع النصوص
المجتهداستكمل آلاتِ النظر، فيستخرج الحكمَ من دليلهبذلُ الوُسْع في طلب حكم الله في المسألة
المفتيعلمٌ بالحكم، ونظرٌ في حال السائل وواقعتهأن يُنزِّل الحكمَ على الواقعة التي بين يديه

وهذه الحدودُ ليست خطوطًا حادّة. فالعالِمُ قد يكون مجتهدًا في بابٍ مقلِّدًا في باب. وهل يتجزّأ الاجتهادُ فيكون الرجلُ مجتهدًا في مسألةٍ دون أخرى؟ مسألةٌ اختلف فيها الأصوليّون، وليست هذه الصفحةُ موضعَ الفصل فيها.

آلاتُ الاستنباط: لماذا لا يكفي أن تقرأ

يذكر الأصوليّون في شروط المجتهد أمورًا، أشهرُها هذه:

  1. العلمُ بآيات الأحكام ومواضعها من كتاب الله.
  2. العلمُ بالسنّة وطرقِ ثبوتها، وحالِ من نقلها.
  3. معرفةُ مواضع الإجماع حتّى لا يُفتيَ بخلاف ما استقرّ عليه أهلُ العلم.
  4. لسانُ العرب: فبه تُعرَف دلالةُ اللفظ ووجوهُ حمله.
  5. أصولُ الفقه: العامُّ والخاصّ، والمطلقُ والمقيَّد، والناسخُ والمنسوخ، ودلالةُ الأمر والنهي.
  6. القياسُ وشروطُه: إلحاقُ ما لا نصّ فيه بما فيه نصٌّ لعلّةٍ جامعة.
  7. معرفةُ الواقع الذي يُنزَّل عليه الحكم، وأعرافِ الناس فيه.

وهذه الآلاتُ لم تُوضَع في زماننا. أوّلُ ما دُوِّن منها جامعًا كتابُ «الرسالة» للإمام الشافعيّ، ثمّ توالت التصانيفُ بعده قرونًا. فالذي يُطالِبك بأن تستغني عنها يطلُب منك أن تعبُر بحرًا بلا مركب.

ثلاثةُ أمورٍ يكثر فيها الخلط

الأوّل: التقليدُ ليس تعطيلًا لعقلك. هو أخذُ قول العالم بغير معرفة دليله التفصيليّ. وأنت تصنعه كلّ يوم مع الطبيب والمهندس والمحاسب. غير أنّ أمرَ الدين أعظم، فالنظرُ في اختيار من تسأل أدقُّ وأوجب.

الثاني: أن تقرأ الدليل لتفهم جوابَ الشيخ شيء، وأن تقرأه لتستخرج منه حكمًا شيءٌ آخر. الأوّلُ يزيدك بصيرةً وطُمأنينة، وهو مطلوب. والثاني هو الاجتهاد بعينه، وله شروطُه في القائمة أعلاه.

الثالث: «الدليلُ بين يديك» دعوى صحيحةٌ في نصفها. النصُّ بين يديك فعلًا، ولكنّ الحكمَ ليس هو النصَّ وحده. بينهما نظرٌ في ثبوته، وفي دلالته، وفيما يُعارضه، وفي تنزيله على واقعتك. وهذه المسافةُ هي التي يقطعها أهلُ العلم عنك.

من الحياة

قرأ رجلٌ حديثًا صحيحًا في تطبيقٍ على هاتفه، في بابٍ من أبواب المعاملات. ففهِم منه حكمًا، وعمِل به، ثمّ أفتى به أهلَه وجيرانه.

ثمّ عرَض المسألة على عالمٍ بعد أشهر. فقال له الشيخ: الحديثُ صحيحٌ كما قرأت، ولكنّه لم يأتِ وحده. في الباب نصوصٌ أُخَر تُقيِّده، ولفظُه يحتمل وجهًا ثانيًا في لغة العرب.

فخرج الرجلُ وقد تعلّم شيئين: أنّ صحّة الحديث غيرُ تمام الحكم، وأنّ الذي ينقصه لم يكن النيّةَ، بل الآلة.

ماذا يلزمني أنا؟

  • اعرِف فرضَ عينك. حكمُ ما تُباشره أنت في عبادتك وكسبك وبيتك، لا الإحاطةُ بالأدلّة كلِّها.
  • اسأل قبل أن تُقدِم، لا بعد أن تندَم. وخاصّةً في العقود والأموال والنكاح.
  • اقرأ الدليلَ لتفهم، لا لتُرجِّح. فهمُك يزيدك يقينًا، والترجيحُ بين الأدلّة صنعةٌ أخرى.
  • لا تنقُل جوابًا سمعتَه إلى غيرك على أنّه الحكم. فربّما اختلفت حالُ السائلَين وأنت لا تُميّز.
  • اختَر من تسأل بعلمه وأمانته، لا بشهرته. والسؤالُ عن حال من تسأله سؤالٌ في الدين.
  • لا تقُل «حرام» ولا «حلال» بلا علم. ووقفةُ «لا أدري» أسلمُ لك من جوابٍ لا تملك آلته.
  • اطلُب من العلم ما يزيدك خشيةً وفهمًا. فبابُ التعلّم مفتوحٌ لك، وهو غير باب الفتوى.

متى أحتاج إلى سؤال عالم؟

  • إذا كان الجوابُ سيَنزِل على واقعتك أنت بتفاصيلها، لا على صورةٍ عامّة.
  • إذا رأيت دليلًا يُخالف ما عليه عملُ الناس حولك، فلا تُقدِم ولا تُنكِر حتّى تسأل.
  • إذا وجدت في المسألة أقوالًا، وأردت أن تعمل بشيءٍ عن بيّنة.
  • إذا كنت مُقبِلًا على عقدٍ أو مالٍ أو زواجٍ يتعلّق به حكم.
  • إذا سُئلت أنت فلم تعرف الجواب؛ فالإحالةُ إلى عالمٍ خيرٌ من جوابٍ بالظنّ.

وهذا الموقعُ يُرتِّب ويُلخِّص ويُحيل، ولا يُفتي.

يتّصل به