ماذا يعني حديثٌ صحيحٌ وحسنٌ وضعيف؟
هذه درجاتٌ يضعها أهلُ الحديث للخبر بعد النظر في رواته واتّصال سنده. فالصحيحُ ما تمّت فيه الشروط، والحسنُ دونه في تمام الضبط، والضعيفُ ما اختلّ فيه شرط. والحكمُ واقعٌ على الطريق التي بلغَنا بها الخبر.
لماذا يهمّني هذا في ديني؟
لأنّ الحديث يصلك اليوم في رسالةٍ لا في كتاب. تفتح هاتفك فتجد خبرًا منسوبًا إلى النبيّ ﷺ، بلا عزوٍ ولا مصدر، ومعه طلبُ النشر. وأنت بين أمرين: أن تنقُله، أو تُمسِك.
وقد أمر الله بالتثبّت في الخبر قبل العمل به: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌۢ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوٓا۟ أَن تُصِيبُوا۟ قَوْمًۢا بِجَهَـٰلَةٍ فَتُصْبِحُوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَـٰدِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]
فإذا كان هذا في خبر الناس بعضِهم عن بعض، فالخبرُ عن النبيّ ﷺ أولى بالتثبّت. وقد جاء الوعيدُ على الكذب عليه خاصّةً: «إِنَّ كَذِبًا عَلَىَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (رواه البخاري، رقم ١٢٩١)
ومن هنا نشأ علمٌ لا يُعرَف له نظيرٌ عند أمّةٍ من الأمم. يُسأل فيه عن كلّ ناقلٍ في السلسلة: مَن هو؟ وممّن سمِع؟ وكيف حِفظُه؟ وسافر الرجالُ الشهورَ ليسمعوا حرفًا من فمِ صاحبه.
الفكرة ببساطة
الحديثُ عند أهله شيئان: المتن، وهو نصُّ الكلام. والسند، وهو سلسلةُ الرجال الذين نقلوه واحدًا عن واحد حتّى بلَغَنا.
والدرجةُ إنّما توضَع بعد فحص السلسلة وفحص المتن معًا. وليست ذوقًا ولا استحسانًا؛ هي نتيجةُ نظرٍ في شروطٍ معلومة.
الشروط التي يدور عليها الحكم
اشتهر عند أهل الحديث أنّ الصحيح ما اجتمعت فيه خمسة أوصاف:
- اتّصالُ السند: أن يكون كلُّ راوٍ قد أخذ عمّن فوقه حقيقةً، بلا انقطاع.
- عدالةُ الراوي: أن يكون مسلمًا صادقًا مأمونًا في دينه.
- تمامُ الضبط: أن يكون حافظًا لما يروي، متقنًا في كتابه أو في صدره.
- السلامةُ من الشذوذ: ألّا يُخالف الثقةُ مَن هو أوثق منه.
- السلامةُ من العلّة: ألّا يكون في السند خللٌ خفيٌّ لا يراه إلّا الناقد المتمرّس.
الدرجات الثلاث في جدول
| الدرجة | ما تعنيه عند أهل الحديث | وما لا تعنيه |
|---|---|---|
| صحيح | اجتمعت فيه الأوصافُ الخمسة | لا تعني أنّ الحكم الفقهيّ منه ظاهرٌ لكلّ قارئ |
| حسن | كالصحيح، إلّا أنّ في ضبط راويه خِفّةً | ليس ضعيفًا؛ وهو عندهم من قسم المقبول |
| ضعيف | اختلّ فيه وصفٌ من الأوصاف أو أكثر | لا تعني أنّ متنه كذبٌ قطعًا، ولا أنّ معناه باطل |
| موضوع | المكذوبُ المُختلَق على النبيّ ﷺ | ليس درجةً من الحديث، بل نفيٌ لنسبته أصلًا |
ولهم بعد ذلك تفصيلٌ آخر: فالحديثُ قد يرتقي بكثرة طرقه، فيُقال «صحيحٌ لغيره» و«حسنٌ لغيره». وهذا بابٌ لأهل الصنعة.
ثلاثةُ أمورٍ يكثر فيها الخلط
الأوّل: الدرجةُ حكمٌ على الطريق التي وصلنا بها الخبر، لا على النبيّ ﷺ. فقولُهم «ضعيف» معناه: هذا الإسنادُ لا تقوم به الحجّة، لا أنّ النبيّ ﷺ قال ما لا يصحّ.
الثاني: قد يختلف المحدّثون في الحديث الواحد، فيُصحّحه إمامٌ ويُحسّنه آخر. وهذا خلافٌ بين أهل الاختصاص، مبناه على اختلافهم في حال راوٍ أو في ثبوت سماع. وليس هذا الموضعُ موضعَ ترجيحٍ بين قولين.
الثالث: «صحيح» ليست بمعنى «الحكم كذا». فصحّةُ الإسناد بابٌ، واستخراجُ الحكم من المتن بابٌ آخر يحتاج إلى نظرٍ في العامّ والخاصّ والناسخ والمنسوخ. وأمّا العملُ بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال فمسألةٌ اختلف فيها أهلُ العلم؛ فاسأل عنها أهلَها.
وهذا الموقعُ ينقل الدرجةَ كما وردت في مصدرها، ولا يُصحّح ولا يُضعّف من عنده.
من الحياة
وصلت رسالةٌ إلى مجموعة العائلة. خبرٌ منسوبٌ إلى النبيّ ﷺ، فيه أجرٌ عظيمٌ على عملٍ يسير. وفي آخره: "انشُرها ولك مثلُ أجر من عمل بها."
فوضع الرجلُ إصبعه على زرّ الإرسال، ثمّ رفعه. وكتب سؤالًا واحدًا في المجموعة: مَن أخرج هذا؟ وفي أيّ كتاب؟
فسكتت المجموعة. ثمّ جاءه الجوابُ الصادق من ابن أخته: لا أدري، وصلتني هكذا.
فلم ينشُرها، ولم يُخطِّئ أحدًا، وسأل عنها طالبَ علمٍ يعرفه. وهذه دقيقةٌ واحدةٌ صانت لسانَه عن نسبةِ ما لا يعلم.
ماذا يلزمني أنا؟
الأصلُ الذي تنبني عليه هذه النقاطُ كلُّها قولُه سبحانه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۚ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]
- لا يلزمك أن تُصحّح ولا أن تُضعّف. هذه صنعةٌ لها أهلُها وأدواتُها وكتبُها.
- يلزمك ألّا تنسُب إلى النبيّ ﷺ ما لا تعرف ثبوته. وهذا واجبُ كلّ مسلم، عالمًا كان أو عامّيًّا.
- اطلُب العزو قبل النقل: مَن أخرجه؟ وفي أيّ كتاب؟ ومَن حكم عليه؟
- لا تنشُر خبرًا بلا عزوٍ ولو حسُن معناه. حُسنُ المعنى لا يُثبِت النسبة.
- إذا رأيت حُكمَين مختلفين على حديثٍ واحد، فقِف. ذاك موضعُ نظرٍ لأهل الاختصاص لا لك.
- افهَم الإسناد على أنّه ضمانةٌ لا تعقيد. هو الطريقُ الذي حُفِظت به السنّةُ إليك.
متى أحتاج إلى سؤال عالم؟
- إذا أردت أن تعمل بحديثٍ لم تعرف حاله، وخاصّةً إن بنيتَ عليه عملًا دائمًا.
- إذا قرأت حكمًا على حديثٍ ولم تعرف ما يترتّب عليه في العمل.
- إذا وجدت الحديث صحيحًا وأردت أن تستخرج منه حكمًا لحالك أنت.
- إذا بلغك حديثٌ يُعارض ما استقرّ عندك من عملِ المسلمين حولك.
- إذا سُئلت عن حديثٍ وأنت لا تعرف مصدره؛ فالإحالةُ إلى عالمٍ خيرٌ من جوابٍ بالظنّ.