إذا قرأت حديثًا صحيحًا، هل أستخرج منه الحكم؟
لا. صحّةُ الحديث تُثبِت أنّه قيل، ولا تُعطيك وحدَها الحكم. بين النصّ والحكم نظرٌ في عمومه وخصوصه، وناسخِه، ودلالةِ أمره، وما يُعارضه. وذاك عملُ أهل الاجتهاد. وأمّا قراءتُك له لتفهم وتزداد يقينًا فبابٌ مفتوح.
لماذا يهمّني هذا في ديني؟
فتحتَ تطبيقًا في هاتفك، فوقعت عينُك على حديثٍ صحيح، ظاهرُه أمرٌ صريحٌ في مسألةٍ تعنيك. فقلت في نفسك: الأمرُ واضح، فلماذا يختلف الناس فيه؟
والسؤالُ صادق، والنيّةُ حسنة. غير أنّ في القرآن إشارةً إلى أنّ استخراج الأحكام من الأخبار عملُ طائفةٍ مخصوصة: ﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلْأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُوا۟ بِهِۦ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنۢبِطُونَهُۥ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَٱتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣]
ثمّ انظر إلى أمرٍ يُقرّب لك المسألة. أصحابُ النبيّ ﷺ سمِعوا منه بلا واسطة، وهم أهلُ اللسان وأهلُ المشاهدة، وقد اختلفوا في فهم بعض ما سمِعوا. فإذا وقع هذا لهم، فما ظنّك بمن قرأ سطرًا على شاشةٍ في دقيقة؟
فليس المقصودُ أن تُغلِق الكتاب، بل أن تعرف الفرق بين أن تقرأ لتفهم، وأن تقرأ لتحكُم.
الفكرة ببساطة
ما الذي أثبتَته الصحّةُ بالضبط؟
حكمُ المحدّث بالصحّة حكمٌ على الطريق التي بلَغَنا بها الخبر. معناه: هذا اللفظُ ثبت عن النبيّ ﷺ بهذا الإسناد.
وهذه خطوةٌ واحدةٌ من طريق. لم يقُل المحدّثُ: وهذا هو مرادُ اللفظ. ولم يقُل: وهذا هو الحكمُ في واقعتك أنت. فبينك وبين الحكم عقباتٌ لا يعبُرها إلّا من ملَك آلاتها.
سبعُ عقباتٍ بين النصّ الصحيح والحكم
- العامُّ والخاصّ: يأتي اللفظُ عامًّا في ظاهره، ويكون في الباب نصٌّ آخر يُخصِّصه ببعض أفراده.
- المطلقُ والمقيَّد: يَرِد الحكمُ مطلقًا في موضع، مقيَّدًا بوصفٍ في موضعٍ آخر، فيُحمَل أحدهما على الآخر بشروطٍ معروفة.
- المجملُ والمبيَّن: لفظٌ لا يتّضح المرادُ منه حتّى يأتي بيانُه من نصٍّ آخر أو من عمل النبيّ ﷺ.
- الناسخُ والمنسوخ: قد يصحّ الحديثُ ويكون حكمُه مرفوعًا بنصٍّ متأخّر. والصحّةُ لا تدلّ على التأخّر.
- دلالةُ الأمر والنهي: أهذا الأمرُ للوجوب أم للاستحباب أم للإرشاد؟ وهذا النهيُ للتحريم أم للكراهة؟ وهي مسائلُ مبسوطةٌ في أصول الفقه.
- صفةُ فعل النبيّ ﷺ: أفعَله على وجه التشريع للأمّة، أم جرى على عادة قومه، أم هو ممّا اختصّ به؟
- مختلَفُ الحديث: أن يَرِد في الباب حديثان ظاهرُهما التعارض. فيُنظَر في الجمع بينهما أوّلًا، فإن تعذّر فالنسخ، فإن تعذّر فالترجيح. وللأقدمين فيه تصانيفُ مفردة، منها «اختلاف الحديث» للشافعيّ.
ثمّ عقبةٌ ثامنةٌ فوق هذا كلِّه: تحقيقُ المناط، وهو أن تتثبّت من أنّ واقعتك هي الصورةُ التي تكلّم عنها النصّ. وهذا وحدَه يحتاج إلى معرفةٍ بالنصّ وبالواقع معًا.
ما لا يعنيه هذا
الأوّل: ليس معناه أن تهجُر كتب السنّة. قراءةُ الحديث للفهم وزيادة الإيمان ومعرفة سيرة النبيّ ﷺ بابٌ مفتوحٌ مرغوبٌ فيه. وإنّما الممنوعُ أن تُنصِّب نفسك مستنبِطًا مُلزِمًا لغيرك.
الثاني: ليس معناه أنّ أهل العلم يُقدّمون أقوالهم على الحديث. وظيفتُهم أن يجمعوا نصوص الباب كلَّها ثمّ يُنزِّلوا الحكم، لا أن يقفوا عند نصٍّ واحد.
الثالث: ليس معناه أنّ الحديث الصحيح قد لا يُعمَل به. بل معناه أنّ العمل به يقع بعد هذا النظر لا قبله. والذي يُقصّر في النظر يُسيء إلى الحديث وهو يظنّ أنّه ينصُره.
من الحياة
قرأ شابٌّ حديثًا صحيحًا في بابٍ من أبواب العبادة، فبدا له أنّ ظاهره يُخالف ما يصنعه أهلُ مسجده. فقام فيهم بعد الصلاة يُنكِر.
فأخذ بيده رجلٌ من أهل العلم إلى جانب المسجد، ولم يُخطّئ الحديثَ ولا الشابّ. قال: الحديثُ صحيحٌ كما قلت. ثمّ فتح أمامه نصوصًا أخرى في الباب نفسِه، وسأله: أهذا اللفظُ عامٌّ أم مخصوص؟ ومتى قيل؟ وهل في الباب ما يُبيّنه؟
فسكت الشابُّ ثمّ قال: ما كنت أعلم أنّ في الباب غيرَه.
قال الشيخ: وهذا هو الفرق. أنت قرأت نصًّا، وهم نظروا في الباب كلِّه. وحرصُك على السنّة خيرٌ فيك، فاجعله في طلب العلم لا في الإنكار.
ماذا يلزمني أنا؟
- اقرأ الحديث لتزداد فهمًا وخشية، لا لتُخرِج منه حكمًا تُلزِم به الناس. القراءةُ بابُ خير، والاستنباطُ بابٌ آخر له أهلُه.
- إذا بدا لك من حديثٍ حكمٌ يُخالف ما عليه أهلُ العلم، فقِف. واسأل قبل أن تعمل، وقبل أن تُنكِر.
- اسأل عن الباب لا عن النصّ الواحد. قُل: ما نصوصُ هذه المسألة كلُّها؟ وهذا السؤالُ وحدَه يُجنّبك أكثرَ الغلط.
- لا تنقُل فهمك للحديث على أنّه الحكم. قُل: فهمتُ منه كذا، وسأسأل أهلَ العلم. وهذه الكلمةُ تصون دينك ولسانك.
- لا تُخاصِم بحديثٍ. السنّةُ لم تنزل لتكون سلاحًا في مجلس، وإنّما لتُعمَل ويُهتدى بها.
- لستَ مطالَبًا بأن تكون مجتهدًا، بل بأن تسأل من يعلم: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ ۖ فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧]
متى أحتاج إلى سؤال عالم؟
- إذا قرأت حديثًا صحيحًا وأردت أن تعمل به في صورةٍ بعينها من حياتك.
- إذا رأيت في ظاهر حديثٍ ما يُخالف عملًا مستقرًّا عند أهل العلم.
- إذا بلغك في الباب حديثان وظننت بينهما تعارضًا.
- إذا أردت أن تعرف هل الحديثُ باقٍ على حكمه أم رفعه نصٌّ متأخّر.
- إذا سألك أحدٌ عن معنى حديثٍ قرأتَه، فالإحالةُ إلى عالمٍ خيرٌ من جوابٍ بالظنّ.
وهذا الموقعُ يُرتِّب ويُلخِّص ويُحيل، ولا يُفتي.