راتبُ الزوجة: هل يلزمها أن تُنفق على البيت؟

فريق الفتوى التحريريحُدِّث في 5 سبتمبر 2026

اقرأ بعده

النفقةُ على الزوجة حقٌّ لها على زوجها في المشهور عند الفقهاء، ومالُ المرأة مالُها لا يُؤخذ إلّا برضاها. وما تُنفقه على بيتها معروفٌ وتعاون. وهذه خريطةُ السؤال لا فتوى في بيتك.

لماذا يهمّني هذا في ديني؟

آخرُ الشهر، وامرأةٌ تنظر في هاتفها إلى رقمٍ يتناقص. فاتورةٌ دفعتها، ومصروفُ مدرسة، وسوقٌ لم يكن في حسابها.

ثمّ يخطر لها سؤالٌ لا تجرؤ أن تقوله على المائدة: هل هذا واجبٌ عليّ؟ وإن أمسكتُ عنه، أأكون آثمة؟

والسؤالُ في حقيقته ليس عن مال. هو عن حقٍّ: لمن هو؟ ومن يملك أن يطلبه؟ ومتى يكون العطاءُ فضلًا لا فرضًا؟

وقد ذكر القرآنُ سَعةَ المُنفِق وضيقَه في آيةٍ من سورة الطلاق: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِۦ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُۥ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَا ۚ سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧]

وذكر في سورة النساء أنّ ما تُعطيه المرأةُ من مالها إنّما يَحِلّ بطِيب نفسها: ﴿وَءَاتُوا۟ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيٓـًٔا مَّرِيٓـًٔا﴾ [النساء: ٤]

فالأصلُ الذي يبني عليه الفقهاء ظاهرٌ في الآيتين: الإنفاقُ تكليفٌ على من كُلِّف به، والأخذُ من مالها موقوفٌ على رضاها.

الفكرة ببساطة

ثلاثةُ أصولٍ يذكرها الفقهاء

الأوّل: النفقةُ على الزوج. المشهور عندهم أنّ نفقة الزوجة واجبةٌ على الزوج، من طعامٍ وكسوةٍ ومسكن. ويربطونها بآية القِوامة [النساء: ٣٤] وبآيات الإنفاق في سورة الطلاق. وفي تقديرها ينظرون إلى حاله وحالها وإلى عُرف البلد.

الثاني: مالُ المرأة مالُها. ذمّتُها عندهم مستقلّة: تملك، وتبيع، وتتصرّف في مالها. ولا يدخل راتبُها في ملك زوجها بمجرّد عقد النكاح.

الثالث: التعاونُ معروفٌ لا فرض. فإذا أنفقت من مالها على بيتها فذلك في الأصل تبرّعٌ وإحسان، وله عند الله موضعُه. والآيةُ أشارت إلى المعنى: أن يكون العطاءُ عن طِيب نفسٍ لا عن ضغط.

فروقٌ عمليّةٌ ينظر فيها المفتي

  • العملُ في العقد. فقد يُشترط للزوجة العملُ، أو يُشترط عليها تركُه. وللشروط في النكاح بابٌ عندهم، وفيه خلافٌ في اللازم منها.
  • الخروجُ إلى العمل. مسألةٌ فيها تفصيلٌ وكلامٌ لأهل العلم، ويدخل فيها العقدُ وحالُ البيت والعُرف.
  • النفقةُ وشروطُها. ذكر الفقهاء أنّ وجوبها يتعلّق بأمورٍ في العقد وفي حال الزوجين، ولها عندهم شروطٌ ومسقِطاتٌ مفصَّلة.
  • الإعسار. فإذا عجز الزوج فبابُه غيرُ باب الممتنع مع القدرة. ولهم كلامٌ في بقاء النفقة دَينًا في الذمّة، وفي التفريق للإعسار على خلافٍ معتبَر.
  • الاتّفاق. فما تراضى عليه الزوجان بلا إكراهٍ ولا ظلمٍ بابٌ غيرُ باب الوجوب الابتدائيّ.

قرضٌ أم تبرّع؟ فرقٌ تنساه البيوت

إذا أنفقت المرأةُ من مالها، فرّق الفقهاء بين حالين: أن تُنفق متبرّعةً محتسبة، وأن تُنفق على أنّها تَرجع بما دفعت.

ويدخل في نظرهم: ما نيّتُها وقتَ الدفع؟ وهل جرى بينهما اتّفاقٌ؟ وما عُرفُ بلدهما في مثل هذا؟

ولذلك كانت الكتابةُ خيرًا من الذاكرة. لا لأنّ الزوجين خصمان، بل لأنّ السنين تُنسي، والنِّيّةَ لا تُرى.

ما الذي يُغيِّر الجواب في حالكِ أنتِ

العاملالسؤال الذي يفتحه
مصدرُ المالأراتبُ عملٍ هو، أم ميراث، أم مهرٌ قبضتِه؟
الاتّفاقأاتّفقتما على المشاركة؟ ومتى؟ وهل دخل العقد شرطًا؟
النيّةُ عند الدفعأتبرّعٌ محتسَب، أم دَينٌ ترجعين به؟
حالُ الزوجأموسِرٌ ممتنع، أم معسِرٌ عاجز؟ فالبابان مختلفان عندهم
نوعُ المصروفأهو من النفقة الواجبة، أم من الكماليّات التي اخترتِها؟
الأولادفنفقةُ الولد بابٌ مستقلٌّ له أحكامُه وأهلُه
العُرففعُرفُ البلد يدخل في تقدير النفقة وفي تفسير ما اتّفقتما عليه
البلدفعند النزاع تدخل المحكمةُ وقانونُ الأحوال الشخصيّة

ما لا يعنيه هذا

  • ليس راتبُ الزوجة للبيت بحكم الشرع. المشهور عند الفقهاء أنّ مالها لها، وأنّ الإنفاق منه تبرّع.
  • وليس امتناعُها عن الإنفاق نُشوزًا. فبابُ النشوز عندهم بابٌ آخر له صورُه المعروفة.
  • ليس معنى هذا أن تُحاسِب امرأةٌ زوجها على درهم. الحقُّ شيء، والعِشرةُ بالمعروف شيءٌ آخر لا يُلغيه.
  • وليس هذا بابًا لتحصيل حقٍّ بالخصومة. فالبيوتُ لا تُبنى بالمرافعات؛ على أنّ الحقّ يبقى حقًّا وإن لم يُطالَب به.
  • ولا يُقال هنا: يلزمكِ الدفع، ولا: لا يلزمكِ. بيتُكِ بعينه ينظر فيه من يسمع الطرفين.

من الحياة

في ليلةٍ هادئة، لا في ليلة خصومة، أخذت ورقةً وكتبت ثلاثة أعمدة.

في الأوّل: ما دفعتُه من مالي هذا العام، بالبنود لا بالجملة.

وفي الثاني: بأيّ نيّةٍ دفعتُ كلَّ بند؟ صدقةً على بيتي، أم مساعدةً مؤقّتة، أم على أنّه دَينٌ أرجع به؟

وفي الثالث: ما الذي اتّفقنا عليه بلساننا، وما الذي جرى بلا اتّفاق.

ثمّ وضعت الورقة أمامه، وقالت: لستُ أُطالبك. أريد أن نعرف أين نحن قبل أن تطول السنون.

فجلسا. ثمّ سألا عمّا أشكل عليهما من يُفتيهما، وكتبا ما اتّفقا عليه في سطرين.

ماذا يلزمني أنا؟

  • افصِلي في ذهنك بين الحقّ والإحسان. فالسؤالُ عن الواجب لا يُلغي فضلَ ما تبرّعتِ به.
  • حدِّدي نيّتك قبل الدفع لا بعده. فالنيّةُ بعد الإنفاق بسنتين دعوى، والنيّةُ عنده أمرٌ آخر.
  • اكتُبي ما يتكرّر. بندٌ شهريٌّ ثابتٌ تدفعينه ليس كمساعدةٍ في شهرٍ ضيّق.
  • اعرِفي ما دخل العقد. فشرطُ العمل أو تركِه من مسائل الشروط في النكاح، وله بابُه.
  • فرِّقي بين إعسارِه وامتناعه. فالسؤالُ عن العاجز غيرُ السؤال عن القادر المانع.
  • اسألي عن أربعة أشياء بعينها: ما الواجبُ عليه؟ وما حكمُ ما أنفقتُه؟ وهل لي الرجوعُ به؟ وكيف نكتب اتّفاقًا بيننا؟
  • اطلُبي الجوابَ الكامل. ففي باب الأسئلة والأبواب هنا أجوبةٌ مُلخَّصةٌ مُحالةٌ إلى نصّها.

متى أحتاج إلى سؤال عالم؟

  • إذا أنفقتِ سنواتٍ ثمّ أردتِ أن تعرفي: أكان تبرّعًا أم دَينًا لكِ؟
  • إذا اشتُرط عليك في العقد شرطٌ يتعلّق بعملك أو براتبك.
  • إذا امتنع الزوجُ عن النفقة وهو قادر، أو عجز عنها وهو صادق.
  • إذا اشتريتما بيتًا أو أرضًا بمالٍ من الطرفين ولم تُكتب الحصص.
  • إذا كان في المسألة قرضٌ من أحدكما للآخر، أو مالٌ باسم أحدكما وهو لغيره.
  • إذا جرى طلاقٌ وبقيت أموالٌ مختلطةٌ لم تُقسَم.

وأمّا المطالبةُ بنفقةٍ متأخّرة، وإثباتُ الدَّين، وقسمةُ ما اشتُري بمالٍ مشترك — فهذه أبوابُ قضاءٍ لا إفتاء. المفتي يُخبر بالحكم، والقاضي يفصل بالبيّنة ويُلزم.

وهذا الموقعُ يُرتِّب ويُلخِّص ويُحيل، ولا يُفتي.

يتّصل به