المَهْر والشَّبْكة وهدايا الزواج: ما الشرعُ وما العُرف؟

فريق الفتوى التحريريحُدِّث في 5 سبتمبر 2026

اقرأ بعده

المَهْر من الشريعة: حقٌّ للزوجة سمّاه القرآن. والشَّبْكةُ والجهازُ والهدايا من العُرف، تختلف من بلدٍ إلى بلد. وهذه خريطةٌ تفصل بينهما، وتدُلّك على ما يُكتَب قبل العقد، وأين يُحال النزاع.

لماذا يهمّني هذا في ديني؟

أكثرُ الخصومات في الزواج لا تقع في العقد، بل فيما حوله. صندوقُ الذهب، وقائمةُ الأثاث، وهديّةٌ أُهدِيت في الخِطبة ثمّ انفضّ الأمر.

وسببُ أكثرها واحد: أنّ الناس يخلطون بين ما جعله الشرعُ حقًّا، وبين ما جرت به عادةُ بلدهم. فيُطالَب الرجلُ بالعُرف بوصفه دِينًا، ويُنكَر على المرأة حقُّها بوصفه عادةً.

والمَهْر ثابتٌ في القرآن، مضافٌ إلى النساء: ﴿وَءَاتُوا۟ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيٓـًٔا مَّرِيٓـًٔا﴾ [النساء: ٤]

وقد قرّر الفقهاء أنّه حقٌّ للزوجة تملكه هي. لا لأبيها، ولا لأمّها، ولا لأخيها. ولهم تفصيلٌ في تصرّف الوليّ فيه، وموضعُه السؤال.

ثمّ إنّ في القرآن حكمًا خاصًّا للمفارقة قبل الدخول إذا كان المهر مفروضًا: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّآ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا۟ ٱلَّذِى بِيَدِهِۦ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ ۚ وَأَن تَعْفُوٓا۟ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا۟ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٧]

فهذا بابٌ نصّ عليه الوحي، وذاك بابٌ تركه لعُرف الناس. ومن ميّز البابين استراح، ومن خلطهما دخل في نزاعٍ لا يُحسَم.

الفكرة ببساطة

أوّلًا: ما هو من الشريعة

  • المَهْر (الصَّداق): مالٌ يبذله الزوج للزوجة بسبب عقد النكاح. واختلف الفقهاء في وصفه: أهو ركنٌ في العقد أم أثرٌ يترتّب عليه؟ فالمشهور عند الجمهور أنّ النكاح ينعقد وإن لم يُسمَّ فيه مهر، ويجب حينئذٍ مهرُ المِثل. واشتُهر عن المالكيّة عَدُّه من أركان العقد.
  • مهرُ المِثل: ما يُقدَّر بمهر نظيراتها من أهلها وبلدها، ويُرجَع فيه إلى العُرف.
  • المعجَّل والمؤجَّل: ما يُدفَع عند العقد، وما يبقى دَيْنًا في ذمّة الزوج. والمؤجَّلُ دَيْنٌ حقيقيّ، لا كلمةً تُكتَب في ورقة.
  • مِلكيّةُ الزوجة له: فهو مالُها، تتصرّف فيه كما تتصرّف في سائر مالها.

ثانيًا: ما هو من العُرف

  • الشَّبْكة: ذهبٌ يُقدَّم عند الخِطبة أو قبل العقد. ولا يُوجَد لها اسمٌ في كتب الفقه المتقدّمة، وإنّما تُكيَّف بحسب ما يقصده الناس بها في البلد.
  • الجهاز والعَفْش: ما تأتي به العروسُ أو أهلُها من أثاثٍ ومتاع. والعادةُ فيه تختلف بين بلدٍ وبلد، بل بين قريةٍ ومدينة.
  • الهدايا في مدّة الخِطبة: من الطرفين ومن الأهلين، صغيرُها وكبيرُها.
  • الوليمةُ ونفقاتُ الحفل: ومن يتحمّلها، وعلى أيّ صفة.

ومن القواعد المقرّرة عند الفقهاء أنّ العادة محكَّمة. أي يُرجَع إلى عُرف الناس في تفسير ألفاظهم ومقاصدهم، حيث لا نصّ يقطع. ولذلك يختلف تكييفُ الشَّبْكة من بلدٍ إلى بلد: أهي من المهر أم هديّةٌ مستقلّة؟

ثالثًا: الخِطبةُ ليست عقدًا

الخِطبةُ وعدٌ بالزواج ومقدّمةٌ له، وليست هي عقدَ النكاح. ويترتّب على هذا الفرقُ كلُّه: فأحكامُ الفسخ قبل العقد ليست أحكامَ الفراق بعده.

ولذلك يقع النزاعُ أشدَّ ما يقع هنا: خِطبةٌ انفضّت، والذهبُ قد لُبِس، والهدايا قد استُهلِكت. فتُسأل: من يردّ ماذا؟ والجوابُ يتعلّق بالعُرف والشرط وصورة الواقعة، ومرجعُه المفتي، وعند التخاصم القضاء.

ما الذي يُغيِّر الجواب في حالكم أنتم

العاملالسؤال الذي يفتحه
العُرفُ في بلدكمأتُعَدّ الشَّبْكةُ من المهر عندكم، أم هديّةً مستقلّة؟
ما كُتِب في العقدأسُمّي المهرُ ومقدارُه، ومُيِّز معجَّلُه من مؤجَّله؟
الشرطُ بينكمأاشتُرِط شيءٌ صراحةً عند الخِطبة أو العقد؟
موضعُ الواقعةأقبل العقد، أم بعده وقبل الدخول، أم بعد الدخول؟
مَن أنهى الخِطبةفللفقهاء نظرٌ في ذلك عند التكييف
صفةُ الهديّةأباقيةٌ بعينها، أم استُهلِكت أو تلِفت؟
صورةُ التسليمأسُلِّمت على أنّها من المهر، أم على أنّها هديّة؟
نظامُ بلدكمفللمحاكم إجراءاتٌ وبيّناتٌ يُرجَع إليها عند التخاصم

ما لا يعنيه هذا

  • ليست الشَّبْكةُ هي المَهْر بالضرورة. قد تكون منه، وقد تكون هديّةً مستقلّة، والمرجعُ العُرفُ والشرطُ وصورةُ الاتّفاق.
  • ليس المَهْر ثمنًا للمرأة. هو حقٌّ شرعيٌّ جعله الله لها، لا عِوَضًا عن ذاتها.
  • ليس المَهْر مالَ أبيها. فمن أخذه بغير رضاها فهو موضعُ سؤالٍ ومطالبة.
  • ليس العُرفُ حاكمًا على النصّ. يُرجَع إليه حيث لا نصّ، ولا يُبطَل به حقٌّ ثبت في الشرع.
  • ليست كثرةُ ما يُطلَب عندكم دليلًا على لزومه. ولا قِلّتُه في بلدٍ آخر دليلًا على منعه.
  • ليست هذه الصفحةُ فصلًا في نزاعٍ قائم. النزاعُ المعيَّن يُعرَض على مفتٍ، وعند التخاصم على القضاء.

من الحياة

اجتمع أهلُ العريس وأهلُ العروس في مجلسٍ واحد، وكادت الأصواتُ تختلف في الذهب: أهو من المهر أم فوقه؟

فقال رجلٌ كبيرٌ من الجهتين: قبل أن نتكلّم، هاتوا ورقةً وقلمًا.

ثمّ قال: نكتب أربعة سطور. الأوّل: مقدارُ المهر. والثاني: ما يُدفَع منه الآن وما يبقى دَيْنًا. والثالث: هل الذهبُ داخلٌ فيه أم هديّةٌ على حِدَة. والرابع: من يتحمّل الأثاثَ والوليمة.

فكتبوا. ثمّ قال: وما اختلفنا في تكييفه نسأل عنه أهلَ العلم قبل العقد، لا بعد سنتين.

فسكت المجلس، وانتهى ما كان سيصير خصومةً في أربعة سطور. ولم يُفتِ أحدٌ منهم أحدًا.

ماذا يلزمني أنا؟

  • اكتُب المهر في العقد بمقداره. لا بعبارةٍ عامّةٍ ولا بكلمةٍ متروكةٍ لحُسن الظنّ.
  • ميِّز المعجَّل من المؤجَّل صراحةً. فالمؤجَّلُ دَيْنٌ في الذمّة، ويُسأل عن أجله وشروطه.
  • صرِّح بتكييف الشَّبْكة قبل تسليمها. أهي من المهر أم هديّة؟ وقُلها أمام شاهدٍ واكتُبها.
  • دوِّن قائمة الجهاز والأثاث. بالأسماء والأعداد، وبتوقيع الطرفين إن جرى بذلك العُرف.
  • اعرِف عُرف بلدك واسأل عنه. فما جرى به الناسُ عندكم يدخل في نظر المفتي والقاضي.
  • اسأل قبل العقد لا بعد الخلاف. فالسؤالُ قبله دقيقة، وبعده دعوى وبيّنات.
  • افصِل بين حقّك وبين طلبك. ما جعله الشرعُ حقًّا لا يُتنازَل عنه بالحياء، وما كان عُرفًا لا يُطلَب بوصفه دينًا.
  • اطلُب الجوابَ الكامل. وفي باب الأسئلة والأبواب هنا أجوبةٌ مُلخَّصةٌ مُحالةٌ إلى نصّها.

متى أحتاج إلى سؤال عالم؟

  • إذا انفضّت الخِطبة، واختلفتم فيمن يردّ الذهبَ أو الهدايا.
  • إذا لم يُسمَّ المهرُ في العقد، أو سُمّي مجملًا بلا تمييز.
  • إذا وقعت المفارقة قبل الدخول، أو بعد العقد وقبله بمدّة.
  • إذا أخذ الوليُّ المهرَ أو بعضَه، واختلفتم في حقّه فيه.
  • إذا اشترط أحدُ الطرفين شرطًا في العقد وأراد الرجوع عنه.
  • إذا تنازعتم في قائمة الأثاث أو فيمن يملك ما في البيت.
  • إذا كان العُرفُ في بلدكم يُخالف ما جرى عليه أهلُ الطرف الآخر.
  • وإذا صار الأمرُ خصومةً بين بيتين، فمَحلُّها القضاءُ بعد الفتوى، لا مجالسُ الصلح وحدَها.

وهذا الموقع يُرتِّب ويُلخِّص ويُحيل، ولا يُفتي. وواقعتُكم بتفصيلها تُعرَض على مفتٍ يعرف عُرفَ بلدكم.

يتّصل به