هل يجب على كلّ مسلم أن يطلب العلم الشرعيّ؟
نعم، بقَدْر. فما لا يصحّ دينُك إلّا به فرضُ عينٍ عليك أنت. وهو طهارتُك وصلاتُك، وأحكامُ ما تباشره من مالٍ ونكاح. وما زاد على ذلك من التوسّع في العلم فرضُ كفاية. إذا قام به بعضُ الأمّة سقط عن الباقين.
لماذا يهمّني هذا في ديني؟
لأنّ الجواب الشائع خطأ من طرفين. طرفٌ يقول: العلمُ للمشايخ وحدهم، فيمشي صاحبُه عمرَه لا يعرف ما يصحّ به وضوءُه. وطرفٌ يقول: كلُّ مسلمٍ مطالَبٌ بأن يكون فقيهًا، فيَعِد نفسه بمكتبةٍ لا يفتحها.
والقرآنُ يجمع بين الأمرين في نَسَق واحد. فهو يأمر بالعلم قبل العمل، كما في سورة محمّد: ﴿فَٱعْلَمْ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنۢبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَىٰكُمْ﴾ [محمد: ١٩]
ويأمر من لا يعلم أن يسأل من يعلم، كما في سورة النحل: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ ۚ فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]
فليس المطلوبُ أن تعلم كلَّ شيء، ولا أن تجهل كلَّ شيء. المطلوبُ أن تعلم ما يلزمك، وأن تعرف بابَ من تسأله فيما وراء ذلك.
الفكرة ببساطة
قسّم أهلُ العلم طلبَ العلم قسمين، وهو تقسيمٌ يحلّ الإشكالَ كلَّه:
- فرضُ عين: ما لا يسع المسلمَ جهلُه ممّا يقوم به دينُه وعملُه اليوميّ. وهذا مطلوبٌ منك أنت بعينك، لا يُجزئ فيه غيرُك عنك.
- فرضُ كفاية: ما تحتاجه الأمّةُ ولا يحتاجه كلُّ فرد، كالتوسّع في الفقه والحديث وأصوله. إذا قام به من يكفي سقط الإثمُ عن الباقين، ولو تركه الجميع أثِموا جميعًا.
وقد بسط الغزاليُّ هذا التقسيم في «كتاب العلم» من إحياء علوم الدين، وهو تقسيمٌ جارٍ في كتب أهل العلم على اختلاف مذاهبهم.
وضابطُ فرض العين ليس قائمةً واحدةً للناس كلِّهم. بل هو بحسب ما تلبَّس به المكلَّف — أي بحسب الحال التي أنت فيها اليوم:
| حالُك | ما يتعيّن عليك تعلُّمُه |
|---|---|
| مسلمٌ بالغٌ عاقل | ما تصحّ به الطهارة والصلاة، وأصلُ ما يجب اعتقادُه |
| دخل عليك رمضان | أحكامُ الصيام وما يُفسده وما يُرخَّص فيه للمريض والمسافر |
| بلغ مالُك النِّصاب وحال عليه الحَوْل | أحكامُ الزكاة في نوع مالك أنت |
| فتحتَ متجرًا أو دخلتَ في بيعٍ وشراء | أحكامُ المعاملة التي تباشرها بعينها |
| أقبلتَ على الزواج | أحكامُ عقد النكاح والحقوق بين الزوجين |
| عزمتَ على الحجّ | مناسكُ الحجّ وما يلزم فيها |
فالعلمُ الواجبُ عليك ينمو مع حياتك. لم تكن مطالَبًا بأحكام البيع وأنت طالب، فلمّا فتحتَ المتجر صرتَ مطالَبًا بها.
ما لا يعنيه هذا الكلام
ليس معناه أن تتفرّغ للطلب أو أن تقرأ المطوّلات. الفرضُ العينيُّ يُدرَك في مجالسَ قليلةٍ مع شيخٍ أو كتابٍ مختصرٍ معتمَد.
وليس معناه أن تتعلّم لتُفتي. فرقٌ بين أن تعرف ما يلزمك، وبين أن تُجيب الناس عن أحوالهم. والثاني مرتبةٌ لها أدواتُها. وأوّلُ ما دُوِّن في أصول الفقه، وهو علمُ استنباط الأحكام من الأدلّة، «الرسالة» للإمام الشافعيّ. فاعلَمْ أنّك أمام صناعةٍ لها أهلُها.
وليس معناه أن يبقى الجهل عذرًا كلّما تكرّر السؤالُ نفسُه. فالعذرُ بالجهل بابٌ له شروطٌ ينظر فيها أهلُ العلم، والتفريطُ في التعلّم مع القدرة أمرٌ آخر.
من الحياة
كان رجلٌ يتوضّأ وابنُه بجانبه، فسأله الصغير: ولماذا تمسح رأسك ولا تغسله؟ فقال الأب: هكذا رأيتُ أبي.
وكان جوابًا صادقًا، لكنّه ظلّ في نفسه أسبوعًا. فهو يصلّي منذ ثلاثين سنة، ولم يقرأ في الطهارة صفحةً واحدة.
فصنع أمرًا صغيرًا. عشر دقائق بعد الفجر، مع كتابٍ مختصرٍ دلّه عليه إمامُ مسجده. وورقةٍ يكتب فيها ما يُشكِل ليسأل عنه يوم الجمعة.
وفي شهرٍ عرف بابَ الطهارة، ثمّ انتقل إلى ما بعده. ولم يصر عالمًا، ولا هذا مطلوبٌ منه. صار يعرف ما تصحّ به عبادتُه، ويعرف متى يقف ويسأل.
ماذا يلزمني أنا؟
- ابدأ من حالك لا من الكتب. اكتُبْ في ورقةٍ ما تباشره فعلًا: صلاةٌ، وعملٌ، ومالٌ، وأسرة. فهذه قائمةُ درسك.
- قدِّمْ ما يتكرّر كلَّ يوم: الطهارة والصلاة أوّلًا، ثمّ ما يأتي في موسمه كالصيام والزكاة.
- خُذْ عن أهله لا عن الشاشات وحدها. إمامُ مسجدٍ ثقة، أو حلقةٌ في بلدك، أو دروسٌ لعالمٍ معروفٍ بالعلم.
- اجعلها عشر دقائق ثابتة. المداومةُ على القليل تُنجز، والاندفاعةُ الطويلة تنقطع بعد أسبوع.
- قيِّدْ ما يُشكِل عليك واسأل عنه. السؤالُ المكتوبُ يُجاب، والسؤالُ العائمُ يُنسى.
- اعرِفْ حدَّك بصدق. أن تعرف مسألةً لا يجعلك مرجعًا فيها، ونقلُك عن عالمٍ غيرُ إفتائك بنفسك.
- علِّمْ أهلك ما تعلّمتَه. فالبيتُ أوّلُ من يلزمك أمرُه، والدرسُ فيه يتضاعف.
متى أحتاج إلى سؤال عالم؟
- إذا دخلتَ بابًا جديدًا في حياتك: زواجٌ، أو تجارةٌ، أو ميراثٌ، أو سفرٌ طويل.
- إذا وجدتَ في الكتاب المختصر ما لا تفهمه، فالمختصراتُ تحتاج شرحًا، وقراءتُها وحدَها تُورث الوهم.
- إذا اختلف ما تسمعه من مصادر مختلفة في مسألةٍ واحدة تخصُّك.
- إذا سألك أهلُك عمّا لا تُحسِنه، فقُلْ: لا أعرف، ثمّ اسأل من يعرف.
- إذا أردتَ أن تنتقل من معرفة الحكم إلى الاستدلال له، فتلك مرتبةٌ أخرى، ولها طريقٌ وأهل.
وهذا الموقع يُرتِّب أجوبةً مُلخَّصةً من مصدرها ويُحيل إليها؛ فهو دليلٌ إلى الجواب، ولا يقوم مقام سؤالِ عالمٍ في واقعتك.