ما المذهب الشافعيّ؟

فريق الفتوى التحريريحُدِّث في 5 سبتمبر 2026

اقرأ بعده

المذهبُ الشافعيُّ مدرسةٌ فقهيّةٌ نُسِبت إلى محمّد بن إدريس الشافعيّ، المتوفَّى سنة ٢٠٤هـ. جمع بين فقه أهل المدينة وفقه أهل العراق. وصنّف «الرسالة» في أصول الفقه. وينتشر مذهبُه اليومَ في مصر وشرق أفريقيا وجنوب شرق آسيا.

لماذا يهمّني هذا في ديني؟

في كلّ فتوى تسمعها طريقٌ سلكها المفتي قبل أن ينطق بالجواب. رتّب الأدلّة، ونظر في تعارضها، ثمّ أنزل الحكمَ على واقعتك.

وهذا الترتيبُ لم يهبِط على الناس جاهزًا. كان في صدور الأئمّة وفي ممارستهم، حتّى جاء الشافعيُّ فجمعه في كتابٍ يُقرأ ويُدرَّس. ولهذا يُذكَر اسمُه في كلّ مجلس أصول، وإن لم يكن السائلُ شافعيًّا.

فمعرفةُ هذا المذهب تُفيدك أمرين. أوّلهما أن تفهم من أين جاءت لغةُ الفتوى التي تسمعها: الكتابُ ثمّ السنّةُ ثمّ الإجماعُ ثمّ القياس. والثاني أن ترى بعينك كيف يُراجع العالِمُ نفسَه، فالشافعيُّ نفسُه غيّر أقوالًا له بعد أن انتقل من بلدٍ إلى بلد.

الفكرة ببساطة

الإمامُ ورحلتُه

محمّد بن إدريس الشافعيّ، القرشيّ المطّلبيّ. وُلِد سنة ١٥٠هـ على المشهور، ونشأ بمكّة يتيمًا فقيرًا، فحفِظ القرآن وأخذ العربيّة عن أهلها.

ثمّ رحل إلى المدينة، فقرأ «الموطّأ» على الإمام مالك ولزِمه. ثمّ ولِي عملًا باليمن، ثمّ قدِم العراق فجالس أصحابَ أبي حنيفة وناظرهم وأخذ عن محمّد بن الحسن. ثمّ استقرّ آخِرَ عمره بمصر، ومات بها سنة ٢٠٤هـ.

وهذه الرحلةُ هي مفتاحُ مذهبه. لقي مدرسةَ الحديث في المدينة، ومدرسةَ الرأي في العراق، فخرج بطريقةٍ تجمع بينهما: التزامُ الأثر مع انضباط النظر.

«الرسالة» وما صنعت

أصولُ الفقه هي القواعدُ التي يُستخرَج بها الحكمُ من الدليل. كيف تُرتَّب الأدلّة؟ وكيف يُحمَل العامُّ على الخاصّ؟ وما يُصنَع إذا تعارض نصّان؟

وكتاب «الرسالة» أوّلُ ما دُوِّن في هذا الباب جامعًا. قرّر فيه أنّ الأصل الكتابُ والسنّة، ثمّ الإجماع، ثمّ القياس. واشتُهر عنه تقريرُ حجّية خبر الواحد إذا صحّ سندُه، وردُّ الاستحسان أن يكون دليلًا قائمًا بنفسه.

القديمُ والجديد

هذا هو المصطلحُ الذي يُميّز مذهبه عن سائر المذاهب. لأقواله حالان: القديمُ ما أفتى به بالعراق، والجديدُ ما أفتى به بمصر بعد انتقاله إليها.

ولم يكن هذا تلوّنًا. رأى بمصر عُرفًا آخر، وبلغته آثارٌ وأقوالٌ لم تكن عنده قبلُ، فراجع وغيّر. والمعتمد عند أصحابه هو الجديد، إلّا مسائلَ يسيرةً أفتَوا فيها بالقديم لدليلٍ ترجّح عندهم.

وفي هذا درسٌ أوسعُ من المسألة نفسها. إمامٌ من أئمّة الأمّة يرجع عن قوله حين يظهر له خلافُه، فلا يُعَدُّ ذلك تناقضًا، بل هو تمامُ التحرّي.

أصحابُه وكتبُ المذهب

روى كتبَه عنه الربيعُ بن سليمان، ومن أشهر أصحابه المزنيُّ والبويطيُّ. وكتابُه الكبير في الفقه «الأمّ».

ثمّ تتابع أهلُ المذهب في التصنيف: «المهذّب» للشيرازيّ، و«الوجيز» للغزاليّ. ثمّ جاء الرافعيُّ والنوويُّ فنقّحا المذهب ورجّحا فيه، حتّى صار يُقال لهما عند أصحابه «الشيخان». وعلى ترجيحهما مدارُ العمل. و«منهاج الطالبين» للنوويّ من أشهر متونه إلى اليوم.

بطاقةُ المذهب

البندالخلاصة
الإماممحمّد بن إدريس الشافعيّ (١٥٠–٢٠٤هـ)
الزمانُ والمكانأواخرُ القرن الثاني وأوّلُ الثالث؛ مكّةُ والمدينةُ والعراقُ ثمّ مصر
من عُمُد كتبه«الرسالة» في الأصول، و«الأمّ» في الفقه، ثمّ «المنهاج» للنوويّ عند المتأخّرين
ممّا اشتُهر بهترتيبُ الأدلّة، وتقريرُ حجّية خبر الواحد، وتدوينُ أصول الفقه
الانتشارُ اليوممصرُ وأطرافٌ من الشام، واليمنُ وشرقُ أفريقيا، وجنوبُ شرق آسيا وسواحلُ الهند، وبلادُ الأكراد

وهذا على وجه العموم لا على حدودٍ صارمة، فالبلدُ الواحدُ قد يجتمع فيه مذهبان.

ما لا يعنيه هذا

الأوّل: «القديمُ والجديد» ليس بابًا مفتوحًا لمن شاء أن يختار. تمييزُ القديم من الجديد ومعرفةُ ما استُثني منه صنعةٌ لأهل المذهب في كتبهم المعتمدة.

الثاني: تدوينُ الشافعيّ للأصول لا يعني أنّ من قبله كانوا بلا أصول. كانت القواعدُ مرعيّةً في اجتهادهم قبل أن تُكتَب، وإنّما جمعها هو في كتابٍ مرتَّب.

الثالث: ترتيبُ الأدلّة ليس اختصاصًا له وحده. الأئمّةُ الأربعةُ كلُّهم يبدؤون بالكتاب والسنّة، وإنّما يقع الاختلافُ في تفاصيل الترتيب وشروط العمل بكلّ دليل.

من الحياة

امرأةٌ من إندونيسيا تعمل ممرّضةً في بلدٍ بعيدٍ عن بلدها. سمِعت في العمل جوابًا في مسألةٍ من مسائل العبادة يُخالف ما تعلّمته من أمّها صغيرة.

فبقيت أيّامًا في حيرة: أكانت أمُّها على خطأ طولَ هذه السنين؟ ثمّ عرضت الأمرَ على عالمٍ ووصفت له الصورتين معًا.

فقال لها: "الذي تعلّمتِه هو المعتمد في المذهب الذي عليه عامّةُ أهل بلدك. والذي سمعتِه هنا مبنيٌّ على مذهبٍ آخر معتبَر." ثمّ بيّن لها ما تعمل به في حالها هي.

فرجعت وقد سقط عنها همٌّ ثقيل، وعرفت أنّ أمَّها لم تُخطئ، وأنّ في المسألة سعةً لم تكن تعلمها.

ماذا يلزمني أنا؟

  • لا يلزمك أن تنتسب إلى مذهب لتكون على الجادّة. المطلوبُ منك أن تسأل من تثق بعلمه وأمانته، وأن تعمل بجوابه.
  • إذا سألت في بلدٍ شافعيّ، فاعلم من أين يأتيك الجواب. وراءه نقلٌ مدوَّنٌ في كتب معتمدة، لا اختيارٌ شخصيّ.
  • لا تحتجّ بقولٍ «قديم» للشافعيّ سمعتَه في مقطع. تمييزُ القديم من الجديد لأهل المذهب، ونسبةُ الأقوال علمٌ له كتبُه.
  • خُذ من قصّته درسًا في نفسك. إذا تبيّن لك أنّك كنت على خطأ في مسألة، فالرجوعُ فضيلةٌ لا نقيصة.
  • لا تخلِط بين أصول الفقه وأصول الدين. الأوّلُ قواعدُ استخراج الأحكام، والثاني بابُ الاعتقاد، وبينهما فرقٌ في الموضوع والمصطلح.
  • اقرأ في المذاهب لتفهم لا لتُخاصِم. معرفةُ أنّ في المسألة أقوالًا شيء، والترجيحُ بينها شيءٌ آخر يُسأل عنه أهلُ العلم.

متى أحتاج إلى سؤال عالم؟

  • إذا اختلف ما تعلّمتَه في بلدك عمّا تسمعه في بلدك الجديد، وأردت أن تعمل عن بيّنة.
  • إذا سمعت قولًا منسوبًا إلى الشافعيّ أو إلى مذهبه وأردت التثبّت من نسبته.
  • إذا تعلّق الأمرُ بعقدٍ أو ميراثٍ أو نكاحٍ تجري فيه أحكامُ بلدٍ على مذهبٍ معيَّن.
  • إذا وجدت في مسألتك قولين، وأشكل عليك ما تعمل به في حالك أنت.

وهذا الموقعُ يُرتِّب ويُلخِّص ويُحيل، ولا يُفتي.

يتّصل به