ما المذهب الحنبليّ؟
المذهبُ الحنبليُّ مدرسةٌ فقهيّةٌ نُسِبت إلى أحمد بن حنبل (ت ٢٤١هـ)، إمامِ أهل الحديث ببغداد. اشتُهر عن أصحابه تقديمُ النصّ وفتاوى الصحابة على القياس. وينتشر مذهبُه اليومَ في جزيرة العرب.
لماذا يهمّني هذا في ديني؟
تسمع في درسٍ أو في كتاب: «وعن أحمد روايةٌ أخرى». فيقف السامعُ عندها: أَوَيكون للإمام الواحد في المسألة الواحدة قولان؟
والسؤالُ في محلّه، وجوابُه يفتح لك بابًا إلى فهم المذاهب كلِّها. فالمذهبُ ليس ورقةً كتبها إمامٌ في يوم. هو حصيلةُ أجوبةٍ قالها في سنين، لسائلين مختلفين، في أحوالٍ مختلفة، ثمّ دوّنها تلاميذُه ورتّبها من جاء بعدهم.
وأنت تنتفع بهذا في أمرٍ عمليّ. إذا سمعت من ينسب إلى مذهبٍ قولًا لينصُر به رأيًا، عرفت شيئًا. النسبةُ نفسُها علمٌ يُسأل عنه أهلُه، لا دعوى تُلقى في مجلس.
الفكرة ببساطة
الإمامُ ومحنتُه
أحمد بن محمّد بن حنبل الشيبانيّ (١٦٤–٢٤١هـ). نشأ ببغداد، ورحل في طلب الحديث إلى الكوفة والبصرة ومكّة والمدينة واليمن، ولقي الشافعيَّ وأخذ عنه.
وصنّف «المسند»، وهو من أكبر دواوين السنّة، رتّبه على أسماء الصحابة لا على أبواب الفقه.
ثمّ جاءت المحنةُ التي عُرِف بها. حُمِل الناسُ على قولٍ في القرآن، فأبى أن يقوله، فسُجن وضُرِب وأُوذي سنين، ولم يرجع. فسمّاه الناسُ من بعدُ إمامَ أهل السنّة. وهذا الموقفُ من حياته، لا من فقهه، وهو الذي رفع ذكره في الأمّة.
كيف صار له مذهبٌ وهو لم يُصنِّف في الفقه كتابًا؟
هذه خصيصةٌ يُعرَف بها هذا المذهب. لم يضع أحمدُ كتابًا في الفقه كما وضع الشافعيُّ «الأمّ». واشتُهر عنه أنّه كان يكره أن تُدوَّن آراؤه كما تُدوَّن السنّة.
فمن أين جاء المذهب؟ من الروايات: أجوبتُه على السائلين، دوّنها أصحابُه ممّن لازموه. ومنهم ابناه صالحٌ وعبدُ الله، والأثرمُ والمرّوذيُّ وغيرهم. ثمّ جمعها من بعدهم وقارن بينها ورتّبها أهلُ المذهب.
ومن هنا جاء المصطلحان اللذان تسمعهما في كتبهم:
- الرواية: ما نُقِل عن الإمام أحمد نفسه. وقد يكون عنه في المسألة روايتان لاختلاف الحال أو السائل أو لرجوعٍ منه.
- الوجه: قولُ أصحاب المذهب، خرّجوه على أصوله فيما لم ينُصَّ عليه.
الأصولُ الخمسةُ المشهورةُ في فتواه
اشتُهر عند أهل العلم أنّ أصول الفتوى عند أحمد خمسة، مرتَّبةً هكذا:
- النصوصُ من الكتاب والسنّة، وهي المقدَّمةُ على كلّ ما بعدها.
- فتاوى الصحابة إذا لم يُعلَم لها مخالف.
- الاختيارُ من أقوالهم إذا اختلفوا، بما هو أقربُ إلى الكتاب والسنّة.
- الحديثُ المرسل والضعيف إذا لم يكن في الباب شيءٌ يدفعه.
- القياسُ عند الضرورة، حين لا يوجد في الباب غيرُه.
والأصلُ الرابع هو أكثرُ ما يقع فيه اللبس. وقد نبّه المحقّقون على أنّ «الضعيف» في اصطلاح أحمد وأهلِ طبقته ليس هو الضعيفَ في الاصطلاح المتأخّر. كان الخبرُ عندهم قسمين: صحيحٌ وضعيف، ويدخل في الضعيف ما سُمّي بعدَ ذلك حسنًا. فليس المرادُ العملَ بالمردود المطروح.
كتبُ المذهب
بدأ التدوينُ بـ«مختصر الخرقيّ»، وهو متنٌ صغيرٌ كثُرت شروحُه. ثمّ جاء ابنُ قدامة فشرحه في «المغني»، وهو من أوسع كتب الفقه المقارن التي تعرض المذاهبَ وأدلّتها.
وعند المتأخّرين «زاد المستقنع» للحجّاويّ، وعليه «الروض المربع» للبهوتيّ، وهما مدارُ التدريس في كثيرٍ من الحلقات إلى اليوم. وأمّا معرفةُ الراجح من الروايات فمن أشهر ما أُلِّف فيه «الإنصاف» للمرداويّ.
بطاقةُ المذهب
| البند | الخلاصة |
|---|---|
| الإمام | أحمد بن حنبل الشيبانيّ (١٦٤–٢٤١هـ) |
| الزمانُ والمكان | القرنُ الثالث الهجريّ، بغداد |
| من عُمُد كتبه | «المسند» له، ثمّ «المغني» لابن قدامة و«زاد المستقنع» عند المتأخّرين |
| ممّا اشتُهر من أصوله | تقديمُ النصّ، ثمّ فتاوى الصحابة، والقياسُ عند الضرورة |
| الانتشارُ اليوم | جزيرةُ العرب، وله حضورٌ قديمٌ في بغداد ودمشق وفلسطين ونجد |
ما لا يعنيه هذا
الأوّل: تقديمُ النصّ لا يعني أنّ الحنابلة لا قياس عندهم ولا تعليل. لهم في التعليل وقواعد الفقه تصانيفُ معروفة، و«المغني» شاهدٌ على سعة نظرهم في الخلاف وأدلّته.
الثاني: تعدّدُ الروايات عن الإمام ليس ترددًا منه، وليس بابًا يختار منه القارئُ ما يوافقه. الترجيحُ بين الروايات صنعةٌ لها كتبُها وأهلُها.
الثالث: الأصلُ الرابعُ ليس تساهلًا في السنّة. اقرأ ما تقدّم في معنى «الضعيف» عندهم، وانظر درجات الحديث لتعرف كيف استقرّ الاصطلاحُ بعد ذلك.
من الحياة
جلس رجلٌ في حلقةٍ بمسجدٍ بعد العصر، فسمع الشيخ يقول في مسألة: هذا هو المذهب، وعن الإمام فيها روايةٌ ثانية.
فسأله بعد الدرس سؤالَ متعلّم: كيف يكون للإمام قولان؟ أما كان يعرف الجواب؟
فقال له الشيخ: الرجلُ أفتى الناسَ دهرًا طويلًا، وكان يُسأل فيُجيب، ويُسأل مرّةً أخرى فيُفصِّل. فكتب هذا ما سمِع، وكتب ذاك ما سمِع. ثمّ جاء أهلُ المذهب فوازنوا بين المنقولين، وسمَّوا أحدهما المذهبَ والآخرَ روايةً.
فخرج الرجلُ وقد فهِم أنّ التعدّد ليس اضطرابًا، وأنّ خلف كلّ سطرٍ يقرؤه سلسلةً من النقل والتحرير.
ماذا يلزمني أنا؟
- لا يلزمك أن تنتسب إلى هذا المذهب ولا أن تُنكِره. المذاهبُ الأربعةُ معتبَرة، والنظرُ في علم من تسأل وأمانته قبل النظر في نسبته.
- لا تنسُب إلى الإمام أحمد ولا إلى مذهبه قولًا سمعتَه في مقطع. نسبةُ الأقوال إلى المذاهب علمٌ له كتبُه المعتمدة.
- لا تحتجّ بـ«رواية» على أهلها. وجودُ روايةٍ في المسألة لا يجعلها المذهب، ولا يجعلها الراجحَ عندهم.
- افهَم أنّ الالتزام بالنصّ منهجٌ لا شعار. الأصولُ الخمسةُ أعلاه ترتيبٌ منضبط، وليست دعوى يرفعها كلُّ متكلّم.
- خُذ من ثباته في المحنة درسًا في نفسك. الرجلُ صبر على أذًى طويل في مسألة اعتقادٍ لا يسَعه فيها السكوت.
- اقرأ في تاريخ المذاهب لتزداد بصيرة، لا لتُرجِّح بينها. الترجيحُ بينها اجتهادٌ له أهلُه وأدواتُه.
متى أحتاج إلى سؤال عالم؟
- إذا كنت في بلدٍ يغلب عليه هذا المذهب وأردت أن تعمل في مسألتك عن بيّنة.
- إذا سمعت قولًا منسوبًا إلى المذهب وأردت التثبّت من نسبته ومن كونه المعتمد فيه.
- إذا تعلّق الأمرُ بعقدٍ أو ميراثٍ أو نكاحٍ تجري فيه أقضيةُ بلدك على مذهبٍ معيَّن.
- إذا قرأت في مسألتك روايتين وأشكل عليك ما تعمل به أنت.
وهذا الموقعُ يُرتِّب ويُلخِّص ويُحيل، ولا يُفتي.