ما المذهب الحنفيّ؟ وأين ينتشر اليوم؟
المذهبُ الحنفيُّ مدرسةٌ فقهيّةٌ تُنسَب إلى الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت، إمام أهل الكوفة (ت ١٥٠هـ). دوّنها أصحابُه من بعده في كتبٍ معروفة. وأتباعُه اليوم في تركيا وآسيا الوسطى وشبه القارّة الهنديّة وغيرها.
لماذا يهمّني هذا في ديني؟
تقرأ جوابًا فترى في آخره: "وهذا مذهبُ الحنفيّة". أو تنتقل إلى بلدٍ فتجد الناس يُصلّون على صفةٍ لم تألَفها، فيُقال لك: أهلُ البلد على المذهب الحنفيّ.
فتقف أمام كلمةٍ لا تعرف ما وراءها. أهي رأيُ رجل؟ أم كتابٌ واحد؟ أم مدرسةٌ لها تاريخ؟
ولا تُرجِّح هذه الصفحةُ بين المذاهب؛ ذاك ليس عملَها ولا عملَ هذا الموقع. وإنّما تصِف لك ما يقف خلف هذه الكلمة، لتفهم لغة الفتاوى التي حولك، ولا تُنكِر ما لا تعرف.
الفكرة ببساطة
من أين بدأ؟
الكوفةُ مدينةٌ بالعراق، وكانت في القرن الأوّل من أكبر أمصار العلم. نزلها من أصحاب النبيّ ﷺ جماعة، وفيهم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. وقد بعثه عمرُ إليها ليُعلِّم أهلها.
ثمّ حمَل عنه أصحابُه، وفيهم علقمة بن قيس، وعنهم أخذ إبراهيمُ النخعيّ. ثمّ صار الفقهُ إلى حمّاد بن أبي سليمان. ولزِم أبو حنيفةَ حمّادًا سنين طويلة، فكان أخصَّ شيوخه.
وُلد أبو حنيفة بالكوفة سنة ثمانين للهجرة، وتوفّي سنة خمسين ومئة. وكان تاجرًا في الخزّ، يجمع بين السوق والحلقة. ويُذكر عن مجلسه أنّه كان مجلسَ مذاكرةٍ ومناظرة: تُطرح المسألة، ويتكلّم أصحابُه فيها، ثمّ تُقيَّد بعد النظر. وبهذه الطريقة في التفريع وُصِفت مدرسةُ الكوفة بـ«أهل الرأي».
أصحابُه وكتبُ المذهب
| العَلَم | ما اشتُهر به |
|---|---|
| أبو حنيفة النعمان بن ثابت (ت ١٥٠هـ) | إمامُ المذهب، ومجلسُه أصلُ مسائله |
| أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم (ت ١٨٢هـ) | صاحبُه الأكبر، وولِي القضاء ببغداد، فانتشر المذهبُ بولايته |
| محمّد بن الحسن الشيبانيّ (ت ١٨٩هـ) | دوّن مسائل المذهب في كتبه، وعليها مدارُ روايته |
| زفر بن الهُذيل (ت ١٥٨هـ) | من كبار أصحابه، واشتُهر بالقياس |
| السرخسيّ | صاحب «المبسوط»، من أوسع كتب المذهب |
| الكاسانيّ | صاحب «بدائع الصنائع» |
| المرغينانيّ | صاحب «الهداية»، وهي من أشهر متونه وأكثرها شرحًا |
| ابن عابدين | صاحب «ردّ المحتار»، وهو عمدةُ المتأخّرين في الفتوى بالمذهب |
أصولُ النظر عندهم
يذكر الحنفيّة في كتبهم أنّ مدار استدلالهم على هذا الترتيب:
- كتابُ الله.
- سنّةُ رسول الله ﷺ.
- الإجماع.
- أقوالُ الصحابة — رضي الله عنهم — ولهم في الأخذ بها تفصيل.
- القياسُ: إلحاقُ ما لا نصّ فيه بما فيه نصٌّ لعلّةٍ جامعة.
- الاستحسان: العدولُ عن مقتضى قياسٍ ظاهرٍ إلى قياسٍ خفيٍّ أو إلى نصٍّ أو ضرورة، لدليلٍ يقتضي ذلك.
- العُرف: ويُراعى في المعاملات وفي معاني ألفاظ الناس.
والاستحسانُ من أشهر ما يُذكَر في هذا المذهب. وهو عندهم بابٌ منضبطٌ بأدلّته، لا استحسانًا بالذوق ولا اختيارًا للأسهل.
طبقاتُ مسائل المذهب
وممّا ينفعك أن تعرفه أنّ كتب المذهب ليست في درجةٍ واحدة. قسّمها أهلُه ثلاثَ طبقات:
- ظاهرُ الرواية (الأصول): ما رواه محمّد بن الحسن عن الإمام وأصحابه بطرقٍ مشهورة، وهي أعلى الطبقات.
- النوادر: ما رُوي عنهم في غير تلك الكتب، أو بطرقٍ غير مشهورة.
- النوازل والواقعات: ما أفتى به المتأخّرون في وقائع لم يجدوا فيها نصًّا عن المتقدّمين.
فإذا قيل لك: "هذا في المذهب"، فالسؤالُ الدقيق: في أيّ طبقةٍ منه؟ وعلى أيّ الأقوال الفتوى؟ وهذا سؤالُ أهل الاختصاص، لا سؤالُ القارئ.
أين ينتشر اليوم؟
ينتشر أتباعُ المذهب في تركيا وبلاد البلقان، وفي آسيا الوسطى، وأفغانستان، وشبه القارّة الهنديّة: باكستان والهند وبنغلاديش. وله حضورٌ واسعٌ في العراق وبلاد الشام ومصر، وبين طوائف من مسلمي الصين وروسيا.
وقد كان المذهبَ الذي يُقضى به في الدولة العثمانيّة قرونًا، حتّى قُنِّنت مسائلُ المعاملات على أصوله في «مجلّة الأحكام العدليّة» في أواخرها. ويُذكر عادةً أنّه أوسعُ المذاهب انتشارًا بعدد الأتباع، وهذا خبرٌ عن العدد لا حكمٌ بالتفضيل.
وهذا الانتشارُ يُوصَف على وجه العموم، لا على حدودٍ صارمة. فالبلدُ الواحد قد يجتمع فيه مذهبان، والناسُ يتنقّلون.
أربعةُ أمورٍ يكثر فيها الخلط
الأوّل: ليس المذهبُ قولَ أبي حنيفة وحده. ففيه قولُ أبي يوسف ومحمّد وزفر، وقد تكون الفتوى في مسائلَ على قول الصاحبَين.
الثاني: ليس داخلُ المذهب قولًا واحدًا في كلّ مسألة. فيه الرواياتُ والتخريجاتُ والترجيحات، ولذلك احتاج أهلُه إلى كتبٍ في بيان ما تُعتمَد عليه الفتوى.
الثالث: ليس وصفُ «أهل الرأي» تنقُّصًا، ولا معناه تقديمُ العقل على النصّ. هو اسمٌ لطريقةٍ في التفريع عُرِفت بها مدرسةُ الكوفة.
الرابع: ليست معرفةُ المذهب انتسابًا إليه. وسؤالُ لزوم المذهب بابٌ مستقلٌّ فيه تفصيلٌ وكلامٌ لأهل العلم، وموضعُه صفحةٌ أخرى.
من الحياة
قرأ شابٌّ فتوى فيها سطر: "والمعتمَد عند الحنفيّة كذا". فسأل معلِّمَه: ومن قال هذا؟ رجلٌ مات قبل ألفٍ ومئتي سنة؟
فأخذ المعلّمُ ورقةً ورسم له سلسلة. قال: هذا السطرُ نقله كاتبُ الفتوى من حاشيةٍ متأخّرة. والحاشيةُ تشرح متنًا. والمتنُ يختصر كتابًا. والكتابُ يروي مسائل عن محمّد بن الحسن. ومحمّدٌ يرويها عن أبي حنيفة ومجلسه.
ثمّ قال: وفي كلّ حلقةٍ من هذه السلسلة رجالٌ راجعوا ورجّحوا وقيّدوا. فالكلمةُ التي قرأتَها في سطرٍ واحد وراءها قرونٌ من المراجعة.
فخرج الشابُّ وقد تغيّرت نظرتُه إلى سطرٍ كان يمرّ عليه مرّ العابر.
ماذا يلزمني أنا؟
- لا تخلِط بين المعرفة والانتساب. أن تعرف ما المذهب شيء، وأن تُلزِم نفسك به شيءٌ آخر يُسأل عنه أهلُ العلم.
- لا تنسُب إلى المذهب قولًا إلّا من كتبه المعتمدة. والنسبةُ علمٌ دقيقٌ لا يُؤخذ من مجلسٍ ولا من مقطع.
- افهَم لغة الفتاوى حولك. إذا عرفت أنّ بلدك على مذهبٍ معيّن، فهِمتَ لماذا يُجاب الناسُ بما يُجابون.
- لا تُنكِر على مسلمٍ صفةً معروفةً عند أهل العلم. فبابُ الإنكار ما خالف نصًّا قاطعًا أو إجماعًا.
- اعلَم أنّ الاختلاف داخل المذهب واقع. فلا تحمِل كلّ ما نُسِب إليه على أنّه قولٌ واحدٌ متّفَقٌ عليه فيه.
متى أحتاج إلى سؤال عالم؟
- إذا أردت الحكم في واقعةٍ من عبادةٍ أو معاملة، لا وصفَ المذهب وتاريخَه.
- إذا انتقلت إلى بلدٍ يغلب عليه هذا المذهب، وأردت أن تعمل عن بيّنة.
- إذا سمعت قولًا منسوبًا إلى الحنفيّة وأردت التثبّت من نسبته وشرطه.
- إذا اختلف عليك جوابان، وكان أحدُهما منسوبًا إلى مذهب.
- إذا نشأت على مذهبٍ ثمّ عرَض لك سؤالٌ في الانتقال عنه أو الأخذ بغيره.
وهذا الموقعُ يُرتِّب ويُلخِّص ويُحيل، ولا يُفتي.