لماذا ظهرت المذاهب والقرآنُ واحد؟
النصُّ واحد. وفهمُ الناس له وتنزيلُه على وقائعهم ليس واحدًا. تفرّق الصحابةُ في الأمصار وتجدّدت الوقائع. فاحتاج الفقهُ إلى قواعدَ منضبطة. فلمّا دُوِّنت هذه القواعدُ سُمِّيت مذاهب.
لماذا يهمّني هذا في ديني؟
يقف السؤالُ في صدر كثيرين على هذه الصورة: إن كان الكتابُ واحدًا والنبيُّ واحدًا، فلمَ أربعةُ مذاهب؟ أفي الدين نقصٌ أكمله الناسُ بآرائهم؟
والذي يُريحك أنّ المذاهب لم تنشأ على خصومة. نشأت على عملٍ واحد: كيف نفهم هذا النصّ، وكيف نُنزِّله على واقعةٍ لم تُذكَر بعينها؟
وفي القرآن ميزانٌ يحسم أصل الشُّبهة: الاختلافُ الكثيرُ المتناقض علامةُ ما ليس من عند الله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]
فالكتابُ لا تناقُض فيه، والتفاوتُ إنّما هو في أفهام الناظرين إليه. وهذه الصفحةُ تشرح كيف وقع ذلك، لا مَن هم الأئمّة؛ فذاك مبسوطٌ في صفحة المذاهب الأربعة.
الفكرة ببساطة
مات النبيّ ﷺ وقد كمُل الدين، وبقيت الوقائعُ تتجدّد إلى يوم القيامة. والنصوصُ محصورةٌ منتهية، والحوادثُ لا تنتهي. فلا بدّ من طريقٍ يُلحِق الجديدَ بأصله، وهذا الطريقُ هو الذي صار عِلمًا.
خمسةُ أبوابٍ يدخُل منها الاختلاف
| الباب | ما معناه عند أهل العلم | صورةٌ تُقرِّبه |
|---|---|---|
| بلوغُ الخبر وثبوتُه | لم يبلُغ كلَّ إمامٍ كلُّ ما بلغ غيرَه، وقد يصحّ عند هذا ما لم يصحّ عند ذاك | حديثٌ عند أهل المدينة لم يشتهر بالكوفة |
| دلالةُ اللفظ | العامُّ والخاصّ، والمطلقُ والمقيَّد، والمجملُ والمبيَّن، ودلالةُ صيغة الأمر | أهي للإلزام أم للنَّدْب؟ |
| تعارضُ الدليلين | إذا ظاهرهما التعارض: أيُجمَع بينهما، أم يُرجَّح أحدُهما، أم يُنظَر في المتقدّم والمتأخّر؟ | دليلان في بابٍ واحد، والترتيبُ بينهما نظر |
| الأصولُ المختلَف في حجّيّتها | كالاستحسان، والمصالح المرسلة، وعمل أهل المدينة، وقول الصحابيّ | إمامٌ يبني على أصلٍ لا يبني عليه غيره |
| تصويرُ الواقعة والعُرف | العادةُ الجارية تدخُل في فهم العقود والألفاظ | العقدُ الواحد يجري في سوقين على وجهين |
فأربعةٌ من هذه الخمسة ليست خلافًا في المراد الشرعيّ ابتداءً. هي خلافٌ في الطريق الموصِّل إليه: في ثبوت الخبر، وفي دلالة اللفظ، وفي ترتيب الأدلّة.
كيف صارت الطريقةُ مذهبًا؟
- تفرّق حَمَلةُ العلم في الأمصار. فنزل أصحابُ النبيّ ﷺ المدينةَ والكوفةَ والبصرةَ والشامَ ومصر. وحمَل كلٌّ منهم ما سمِع وما شهِد.
- تعلّم عنهم أهلُ كلّ بلد. فقامت في كلّ مصرٍ مدرسةٌ لها روايتُها وطريقتُها في النظر.
- دُوِّنت القواعد. فصار للنظر ضابطٌ مكتوب: كيف تُرتَّب الأدلّة، وما يُصنَع عند التعارض. وأوّلُ ما دُوِّن في هذا جامعًا كتابُ «الرسالة» للإمام الشافعيّ.
- نقّح التلاميذُ المسائل قرونًا. فخرّجوا الفروع على الأصول، وميّزوا الرواياتِ، ورجّحوا بينها.
وثمرةُ هذا التدوين أنّ الجواب صار مبنيًّا على قاعدةٍ معروفةٍ يُراجَع عليها صاحبُها، لا على خاطرٍ يعرِض ثمّ يذهب.
ولمّا كثُر الخلافُ صُنِّفت فيه كتب، من أشهرها «بداية المجتهد ونهاية المقتصد» لابن رشد. وهو كتابٌ يعرِض المسألة، ثمّ يذكر سبب الخلاف فيها بعينه. أهو في ثبوت خبر، أم في دلالة لفظ، أم في تعارض دليلين؟
ما لا يعنيه ظهورُ المذاهب
الأوّل: ليس معناه أنّ في القرآن اختلافًا. الاختلافُ في فهم بعض دلالاته وفي تنزيلها، لا في نصّه ولا في حفظه.
الثاني: ليست المذاهبُ فِرَقًا في العقيدة، ولا أحزابًا يُنتسَب إليها كما يُنتسَب إلى الرايات. هي مدارسُ في الفقه، والقبلةُ واحدة، وأركانُ الإسلام واحدة.
الثالث: ليس ظهورُها لأنّ النصوص قصُرت عن حاجات الناس. النصوصُ أصولٌ جامعة، والوقائعُ هي التي تتجدّد، فيُحتاج إلى قواعد لإلحاقها.
الرابع: لم تُصنَع المذاهبُ بقرارٍ من سلطان. ولم تكن أربعةً في الأصل. كان في الأمّة أئمّةٌ آخرون لهم أتباع. ولكنّ مذاهبهم لم يُكتَب لها من التدوين والتلاميذ ما كُتِب للأربعة.
من الحياة
كتب مديرٌ إلى موظّفَيه سطرًا واحدًا: سلِّما التقرير قبل نهاية الأسبوع.
فسلّم الأوّلُ يوم الخميس، وسلّم الثاني يوم السبت. وكلاهما قصَد الامتثال، وكلاهما قرأ الجملة نفسها بالحرف نفسه.
فلمّا اجتمعا تناظرا. قال الأوّل: نهايةُ الأسبوع الخميس عندنا. وقال الثاني: بل هي السبت في تقويم العمل.
ولم يكذِب أحدُهما، ولم يعصِ أحدُهما. اللفظُ احتمل وجهين، فحمَله كلٌّ على ما يعرفه من العُرف. فإذا كان هذا في سطرٍ من مدير، فما ظنّك بنصوصٍ تحمل أحكام أمّةٍ إلى يوم القيامة؟
ماذا يلزمني أنا؟
- لا يلزمك أن تعرف تاريخ المذاهب لتصحّ عبادتُك. يلزمك أن تعرف حكم ما تعمل، وأن تسأل عمّا أشكل.
- افهَم موضع الاختلاف. هو في الفروع لا في أصل الدين، وفي طريق الوصول لا في المقصود.
- لا تجعل الاختلاف بابًا للشكّ. فمن بنى على وجود قولين أنّ الدين غيرُ منضبط، فقد جاوز حدّ المسألة.
- لا تنسُب قولًا إلى مذهبٍ إلّا بعلم. فنسبةُ الأقوال إلى المذاهب علمٌ له كتبُه المعتمدة.
- إذا سمعت «الدليل معي»، فاعلَم أنّ الدعوى غير البرهان. والنصُّ يحتاج بعد ثبوته إلى نظرٍ في دلالته.
- احفَظ للأئمّة قدرهم. هؤلاء نقلةُ الفقه إلى الأمّة، واختلافهم اختلافُ اجتهادٍ لا اختلافُ أهواء.
متى أحتاج إلى سؤال عالم؟
- إذا أردت الحكم في واقعةٍ بعينها، لا معرفةَ تاريخ المذاهب.
- إذا وجدت قولين في مسألةٍ تخصّك، وأردت أن تعمل بشيءٍ عن بيّنة.
- إذا بلغك دليلٌ ظننته مخالفًا لما عليه عملُ من حولك.
- إذا انتقلت إلى بلدٍ يغلب عليه مذهبٌ غير الذي نشأت عليه.
وهذا الموقعُ يُرتِّب ويُلخِّص ويُحيل، ولا يُفتي.