ما المذهب المالكيّ؟
المذهبُ المالكيُّ مدرسةٌ فقهيّةٌ نُسِبت إلى الإمام مالك بن أنس. وهو إمامُ دار الهجرة في القرن الثاني. واشتُهر أصحابُه بالعناية بعمل أهل المدينة. واشتُهروا كذلك بالمصالح المرسلة وسدِّ الذرائع. وينتشر اليومَ في المغرب وغرب أفريقيا.
لماذا يهمّني هذا في ديني؟
تفتح مقطعًا لشيخٍ من بلاد المغرب، فتسمعه يقول في جواب سائل: "والمشهور عندنا". ثمّ يذكر كتابًا اسمه «خليل»، ولا تعرف من خليل ولا ما كتابه.
وأنت لا تسأل عن التاريخ؛ سؤالُك أقربُ من ذلك وأصدق. هل هذا الرجلُ يتكلّم في ديني أنا؟ وهل ما يقوله فقهٌ منقولٌ أم رأيٌ اختاره؟
ومعرفةُ هذا المذهب تُخرِجك من ظنَّين متقابلين. ظنُّ من يحسَب المذاهبَ طوائفَ متنازعة، وظنُّ من يحسَبها كتبًا قديمةً لا تعني أحدًا اليوم. وهي في الحقيقة طريقةٌ منضبطةٌ في استخراج الحكم من الدليل، حمَلها تلاميذُ عن إمام، ودوّنوها ونقّحوها قرونًا.
ثمّ إنّ لهذا أثرًا في يومك. إذا سافرت أو تزوّجت أو سألت مفتيًا في بلدٍ يغلب عليه هذا المذهب، جاءك الجوابُ بلسانه. فمعرفةُ أصله تُفهِمك لماذا جاء الجوابُ على هذه الصورة، وتصونُك من أن تُخطِّئ ما لا تعرف.
الفكرة ببساطة
الإمامُ ومدينته
مالك بن أنس الأصبحيّ (ت ١٧٩هـ). وُلِد بالمدينة، ونشأ بها، ومات بها، ولم يُفارقها إلّا للحجّ. وهذه الجملةُ وحدَها تُفسِّر أكثرَ مذهبه.
فالرجلُ عاش عمرَه في البلد الذي نزل فيه الوحيُ آخِرَ عمر النبيّ ﷺ. وفيه المسجدُ والمنبر، وفيه أبناءُ الصحابة وكبارُ التابعين. فكان عندَه من الأثر المتّصل ما ليس عند غيره من نظرائه في الأمصار.
وصنّف «الموطّأ»، وهو من أقدم ما دُوِّن جامعًا بين الحديث والفقه. يُورِد الحديثَ وأقوالَ الصحابة والتابعين وعملَ أهل المدينة في أبوابٍ فقهيّة مرتَّبة. ثمّ جاء أصحابُه، وأشهرُ ما دوّنوه «المدوّنة»، جمعها سحنونٌ عن ابن القاسم عن مالك، وعليها مدارُ المذهب في المغرب قرونًا. وتأخّر بعدهم «مختصر خليل»، متنٌ صغيرٌ يُحفَظ ويُشرَح إلى اليوم.
الأصولُ التي اشتُهر بها أصحابُه
- عملُ أهل المدينة: ما توارثه أهلُ المدينة من العمل جيلًا عن جيل. عدَّه المالكيّةُ نقلَ جماعةٍ عن جماعة، لا رأيَ رجلٍ ولا عادةَ بلد.
- المصالحُ المرسلة: المصلحةُ التي لم يشهد لها نصٌّ بعينه ولم يُلغِها نصّ، فيُبنى عليها الحكمُ حفظًا لمقصدٍ من مقاصد الشريعة.
- سدُّ الذرائع: أن يُمنَع ما هو مباحٌ في نفسه إذا صار طريقًا مُفضيًا إلى محرَّم.
- قولُ الصحابيّ، والاستحسان، ومراعاةُ الخلاف، والعُرف: أصولٌ يُكثِر المالكيّةُ من إعمالها، ولها عندهم شروطٌ مبسوطةٌ في كتب أصولهم.
وليست هذه الأصولُ خاصّةً بهم على الإطلاق. غيرُهم يقول ببعضها، والاختلافُ بينهم في حدودها وشروطها ومقدار العمل بها. وإنّما نُسِبت إليهم لأنّهم أوسعُ إعمالًا لها وأكثرُ تقعيدًا.
ما لا يعنيه هذا
الأوّل: عملُ أهل المدينة ليس تقديمًا لعادات الناس على الحديث. هو عندهم نقلٌ متوارَثٌ عن جماعةٍ عن جماعة. وقد اختلف الأصوليّون في حجّيته وفي حدود ما يدخل فيه، وهذا خلافٌ بين أهل الاختصاص لا تفصِل فيه صفحةٌ كهذه.
الثاني: المصالحُ المرسلة ليست بابًا لكلّ ما يستحسنه الناس. اشترط القائلون بها شروطًا، منها ألّا تصادِم نصًّا ولا إجماعًا، وأن تكون في المقاصد المعروفة لا في الأهواء.
الثالث: انتسابُ بلدٍ إلى المذهب لا يعني أنّ أهله لا يعرفون غيره. المذاهبُ الأربعةُ تُدرَّس في مدارس المغرب وغيرِه، والفتوى قد تخرج عن المشهور لموجِبٍ يعرفه أهلُ العلم.
بطاقةُ المذهب
| البند | الخلاصة |
|---|---|
| الإمام | مالك بن أنس الأصبحيّ (ت ١٧٩هـ)، إمامُ دار الهجرة |
| الزمانُ والمكان | القرنُ الثاني الهجريّ، المدينةُ النبويّة |
| من عُمُد كتبه | «الموطّأ» له، و«المدوّنة» رواية سحنون عن ابن القاسم، و«مختصر خليل» عند المتأخّرين |
| ممّا اشتُهر من أصوله | عملُ أهل المدينة، والمصالحُ المرسلة، وسدُّ الذرائع |
| الانتشارُ اليوم | المغربُ والجزائرُ وتونسُ وليبيا وموريتانيا، وغربُ أفريقيا والسودان، وله حضورٌ في مصر وأطرافٍ من الخليج |
وهذا الانتشارُ يُذكَر على وجه العموم لا على حدودٍ صارمة. فالبلدُ الواحدُ قد يجتمع فيه مذهبان، والناسُ ينتقلون وتتغيّر أحوالُهم.
من الحياة
دخل شابٌّ مسجدًا في مدينةٍ مغربيّة، فسمع الشيخ يقول لسائلٍ عن مسألة: "هذا هو المشهور". فوقف بعد الدرس وسأل سؤالًا واحدًا: ومن قال إنّه المشهور؟
فأخرج الشيخُ متنًا صغيرًا من جيبه، وقال: هذا «مختصر خليل»، عليه شروحٌ ونقولٌ يدرسها أهلُ هذا البلد منذ قرون. والمشهورُ عندنا ما استقرّ عليه نقلُ أئمّة المذهب، لا ما اخترتُه أنا اليومَ من رأيي.
فخرج الشابُّ وقد فهِم شيئين. أنّ خلف الجواب سلسلةً من الكتب والرجال، وأنّ سؤال "من أين؟" سؤالٌ حسنٌ ما دام خارجًا من طلب الفهم لا من طلب الخصومة.
ماذا يلزمني أنا؟
- لا يلزمك أن تصير مالكيًّا، ولا أن تُنكِر على المالكيّة. المذاهبُ الأربعةُ معتبَرة، والنظرُ في علم من تسأل وأمانتِه قبل النظر في نسبته.
- افهَم الجوابَ في سياقه. إذا أفتاك عالِمٌ في بلدٍ مالكيّ، فاعلم أنّ وراء جوابه نقلًا مدوَّنًا لا اختيارًا شخصيًّا.
- لا تنسُب إلى المذهب قولًا سمعتَه في مجلس. نسبةُ الأقوال إلى المذاهب علمٌ دقيقٌ له كتبُه المعتمدة.
- لا تحتجَّ بعمل أهل بلدك قياسًا على عمل أهل المدينة. ذاك أصلٌ مقيَّدٌ بالمدينة وبشروطٍ ذكرها أهلُه، لا قاعدةٌ عامّةٌ لكلّ بلد.
- لا تجعل «المصلحة» بابًا لما تشتهي. المصالحُ المرسلة نظرٌ لأهل الاجتهاد، وشروطُها تمنع أن تصير هوًى.
- اقرأ في المذاهب لتزداد بصيرةً، لا لتُرجِّح بينها. الترجيحُ بين المذاهب صنعةٌ لها أهلُها وأدواتُها.
متى أحتاج إلى سؤال عالم؟
- إذا انتقلت إلى بلدٍ يغلب عليه هذا المذهب، وأردت أن تعمل عن بيّنة.
- إذا سمعت قولًا منسوبًا إلى المذهب وأردت التثبّت من صحّة نسبته إليه.
- إذا تعلّق الأمرُ بعقدٍ أو نكاحٍ أو مالٍ في بلدٍ تجري أقضيتُه على المذهب.
- إذا وجدت في مسألتك أقوالًا للمذاهب واختلط عليك ما تعمل به.
وهذا الموقعُ يُرتِّب ويُلخِّص ويُحيل، ولا يُفتي.