البردُ شديد: هل أمسحُ على الجوربين في الوضوء؟

فريق الفتوى العلميحُدِّث في 25 أكتوبر 2026

اقرأ بعده

يصف جوابٌ في موقع فتاوي المَسْحَ على الجوربين رخصةً شرعيّةً لرفع الحرج. ويذكر جوابٌ شروطه، وأوّلها اللبسُ على طهارة كاملة. وتختلف الأجوبة في الجورب الرقيق، وفي بدء المدّة، وفي انتهائها.

لماذا يهمّني هذا في ديني؟

الفجرُ في ليلةٍ باردة. تقف عند الصنبور وأنت على وشك الوضوء، والماءُ يؤلم أصابعك، وفي قدميك جوربان من الصوف. فتسأل نفسك: أغسلُ أم أمسح؟

هذا السؤالُ يعود كلَّ شتاء. وفي باب المسح على الخفين والجبائر أجوبةٌ كثيرة في المسألة.

أوّل ما نقرؤه فيها: المسحُ على الخفين والجوربين ثابتٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفي الجواب نفسه أنّ العمل عليه عند أهل العلم. ونقرأ في جوابٍ آخر أنّ الغسل والمسح كلاهما جائز، ولا تعارض بينهما.

غير أنّ الجواب نفسه يرى أنّ الغسل أفضل، لأنه عملٌ زائد وإسباغٌ للوضوء على المكاره.

وسُئل في جوابٍ ثالث عمّن يمسح على الجورب شتاءً كلَّه في شدّة البرد: أيأثم؟ فكان الجواب: لا يأثم ما دام مراعيًا الضوابط والشروط الشرعيّة للمسح، صيفًا أو شتاءً.

ولا نجد في الأجوبة المنقولة هنا البردَ وحده سببًا للمسح. وعند الجواب لا إثم فيه صيفًا ولا شتاءً.

وهذه المقالة لا تُفتيك. تعرض ما قالته الأجوبة، وأين اختلفت، وبأيّ علّة. وإن أردت أصل الاختلاف فاقرأ لماذا تختلف الفتاوى بين العلماء؟

الفكرة ببساطة

ستمرّ بك في الأجوبة كلماتٌ مثل الحَدَث والتيمُّم والغُسل. تعريفُها في المعجم، فلا نعيده هنا.

ما الشروط التي تذكرها الأجوبة؟

يعدّ أحدُ الأجوبة شروطًا للمسح على الخفين والجوربين. هذه هي:

وجوابٌ آخر يفصّل الطهارة. فيه أنّه لا يصحّ المسح على الجوربين إلا إذا لُبسا على طهارة كاملة. وهذه الطهارة عنده رفعُ الحدث بالوضوء، أو بالغُسل من الجنابة أو الحيض أو النفاس.

وغُسل التبرّد أو النظافة؟ يقول الجواب إنّه لا يُعدّ طهارة كاملة تُبيح المسح، إلا إذا نوى الوضوء وغسل أعضاءه مرتّبة.

وسأل آخر عمّن أدخل الجورب الأوّل قبل أن يُتمّ طهارته. فأجاب الجوابُ بأنّه لا يمسح عليهما، لأنّه أدخل الأولى قبل تمام الطهارة.

ما الذي يُبطل المسح؟

في جوابٍ أنّ المسح على الخفين يبطل بحدوث موجبٍ للغسل. ومثّل له بمن أجنب وعليه الخف: يلزمه أن ينزع الخف ويغتسل.

كم تدوم المدّة؟

يقول جوابٌ إنّ مدّة المسح يومٌ وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليهن للمسافر. ويصف الجوابُ هذا بأنه قول الجمهور. ومن هو المسافر، وما حدّ سفره؟ تجده في مقالة القصر والجمع، ولا نكرّره هنا.

ومن أين يبدأ العدّ؟ هنا تختلف الأجوبة في بدء المدّة. في جوابٍ أنّ المدّة تبدأ من أوّل مسحٍ بعد الحدث، لا من أوّل لبس. وفي آخر أنّها تُعتبر من وقت الحدث بعد اللبس، وهو قول عامّة العلماء والكاساني، وهو من فقهاء الحنفيّة.

وماذا إذا انتهت المدّة؟ هذا موضع خلافٍ أيضًا. في جوابٍ أنّه لا ينتقض الوضوء بانتهاء مدّة المسح. وعلّته فيه أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم وقّت المسح ولم يوقّت الطهارة. وفي جوابٍ آخر أنّه إذا انتهت المدّة وجب نزعُ الجوربين وغسلُ الرجلين، ثم يجوز لبسهما والمسح عليهما للمدّة نفسها. ونحن لا نرجّح بينهما.

الجورب الرقيق والمخرَّق

هنا موضع الخلاف الأوضح، وهذا ما تقوله الأجوبة بعللها.

جوابٌ يجيز المسح على الجورب الرقيق ولو وصف البشرة. وعلّته في الجواب: عموم الأدلة، وتيسيرًا على الناس. ويصفه بأنه الراجح.

وجوابٌ آخر يذكر القولين. فيه أنّ بعض أهل العلم يجيز المسح على الجورب غير الصفيق لعموم الأدلة. وأنّ القائلين باشتراط الصفيق يعلّلون بأنّ الحاجة تدعو إلى لبس الصفيق للمشي فيه. ويضيف أنّه لم يُنقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية جواز المسح على الجوربين الخفيفين. ويرى أنّ الأحوط والأبرأ للذمة العمل بقول الأكثر باشتراط كون الجورب صفيقًا.

فالجوابُ الذي عدّ الصفيقَ شرطًا غيرُ الجواب الذي أجاز الرقيق. وكلاهما من أجوبة فتاوي، ونحن لا نرجّح بينهما.

وأمّا المخرَّق، فنقل جوابٌ واحدٌ أنّ الإمامَ ابن تيمية رخّص في المسح على الجورب المخرَّق. وشرطُه عنده في الجواب: ما دام اسمه باقيًا ويمكن المشي به.

في المذاهب والبرد

يذكر جوابٌ أنّ المذهب الحنفي يجيز المسح على الجورب في الجملة صيفًا وشتاءً، ولكن بشروط. ويذكر فيه أنّه نُقل عن أبي حنيفة، إمام المذهب، رجوعه إلى قول صاحبيه بجواز المسح على الجورب الثخين غير المنعَّل. وذكر الجوابُ أنّ عليه الفتوى.

وفي جوابٍ آخر عن مذهب المالكية أنّهم يشترطون لوجوب لبسه حاجةً، مثل الحرّ والبرد والوعر. وأنّهم لا يجيزونه للترفيه أو لأسباب تافهة.

إذا آذى الماءُ البارد

يقول جوابٌ: إذا تعذّر استعمال الماء لفقده أو لضرر منه، كمرض أو شدّة برد، جاز التيمّم بالتراب، بمسح الوجه واليدين. وإن أمكن غسل بعض الأعضاء دون ضرر، وجب غسلها ثم التيمّم للباقي.

ولا يجمع أيٌّ من الأجوبة المستعملة هنا البردَ والتيمّمَ والجوربَ في مسألةٍ واحدة.

وفي الجبائر والضمادات ثلاثة أجوبة. الأول: عدم مسح الجبيرة يبطل الوضوء عند جمهور أهل العلم. والثاني: اللفافة الطبية التي يُخشى ضرر من نزعها أو مشقة تأخذ حكم الجبيرة. ويُجيز الجوابُ المسحَ عليها مع غسل باقي الجزء المكشوف. والثالث: الجورب الطبي الذي يضرّ خلعُه المريض أو يؤخّر شفاءه حكمُه حكم الجبيرة، ويُمسح عليه كلّه.

من الحياة

رجلٌ اشترى جوربين سميكين لهذا الشتاء، وسمع من زميله أنّ الرقيق يكفي، ومن جاره أنّه لا يكفي. ولبس أحدهما قبل أن يُتمّ وضوءه ذات صباح، ثم نسي.

لن نكتب له هنا جوابًا، فجوابه معلّقٌ بتفاصيل لا يحملها هذا المشهد. لكنّه حين يكتبها في أسطر، يصير سؤاله قابلًا للجواب. نوعُ الجورب. متى لبسه. وعلى أيّ وضوءٍ لبسه. ومتى مسح أوّل مرّة. وهل هو مقيمٌ أم مسافر.

ماذا يلزمني أنا؟

لا حكمَ هنا من عندنا. لكنّ الأجوبة تدلّك على ما تسجّله قبل أن تسأل:

  • الجورب: من أيّ خامة، ورقيقٌ أم سميك، وسليمٌ أم مخرَّق.
  • اللبس: متى لبسته، وعلى أيّ طهارة، وهل أتممتها قبل لبس الأولى.
  • المدّة: متى كان أوّل حدثٍ بعد اللبس، ومتى كان أوّل مسح.
  • الحال: مقيمٌ أنت أم مسافر.
  • الماء: هل يضرّك البارد، وهل عليك جبيرةٌ أو جوربٌ طبي.

ثم ارجع إلى باب المسح على الخفين والجبائر وابحث عن حالك. وهذه المقالة حلقةٌ في سلسلة العبادة في الحياة اليوميّة.

متى أحتاج إلى سؤال عالم؟

  • إذا كان جوربك رقيقًا، فالأجوبة تختلف فيه كما رأيت. وإن كان مخرَّقًا فاسأل عن حاله.
  • إذا لم تتيقّن أنّك لبستهما على طهارة كاملة.
  • إذا اشتبه عليك بدء المدّة أو انتهاؤها.
  • إذا كنت مسافرًا، أو تتنقّل كثيرًا بين مقيمٍ وسفر.
  • إذا آذاك الماء البارد، أو كان عليك ضمادٌ أو جورب طبي.
  • إذا كنت تتّبع مذهبًا بعينه، فاسأل عن قوله في حالك.
  • إذا مضت عليك صلواتٌ بعد مسحٍ لا تدري أصحّ هو أم لا.

المقالةُ تشرح ولا تقضي في نازلتك. وهذا الموقعُ يُرتّب ويُلخّص ويُحيل، ولا يُفتي.

يتّصل به